الرئيسية | الملخصات الجامعية | فكرة التوازن المــالي للعـقـد الإداري في المملكة العربية السعودية

فكرة التوازن المــالي للعـقـد الإداري في المملكة العربية السعودية

حجم الخط: Decrease font Decrease font Enlarge font

محمد لبيب شنب عين شمس الـحقـوق القانون العام دكتوراه 2007

ملخص الدراسة:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آلة وأصحابه وسلم.

 وبعد فإنه وإن كان موضوع بحثنا هو التوازن المالي للعقد الإداري في المملكة العربية السعودية، إلاّ أن متطلبات البحث وغايته استلزمت تقصي مبادئ نظرياته والإحاطة بكافة جوانبها بالدراسة والتحليل، لمعرفة أهدافها ومصدر نشأتها ومراحل تطورها، وما جد من اجتهادات الفقه والقضاء، لبلورة مضمونها وشروط تطبيقها وآثارها على العقد الإداري وأطرافه، الذي هو في تطور دائم، مواكباً في ذلك نشاط الدولة الإداري الذي يزداد يوماً بعد يوم، نتيجة اتساع مهام الدولة من ناحية، وإدخال أحدث الأساليب في علم الإدارة من ناحية أخرى، ولن يتأتى ذلك إلاّ بدراسة نظريات التوازن المالي الثلاثة وهي نظرية عمل الأمير، ونظرية الظروف الطارئة، ونظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة، من ميدان انطلاقتها ومبتكر أفكارها وراعى نموها، ألاّ وهو قضاء مجلس الدولة الفرنسي الذي أثرى هذه النظريات ومبادئها بحثاً وتطبيقاً زخرت بها أحكامه الشهيرة التي لا يزال يردد صداها القضاء والفقه الإداري في الكثير من بلدان العالم المتحضر بعد أن تبنت تشريعاتها في نصوص واضحة الكثير من قواعده ومبادئ أقضيته.

 ولأهمية دور القضاء والفقه الإداري المصري، وفاعليته في دعم هذه النظريات وتطبيقها في منازعات العقود الإدارية منذ منتصف القرن الماضي، وباعتباره أنموذجاً عربياً رائداً في هذا المجال فقد تطلبت الدراسة أيضاً الغوص في أحكامه، واستخلاص المبادئ منها؛ لتكون خير معين في فهم هذه النظريات، وإدراك مقاصدها، فكانت بحق كنزٌ لا ينضب بما تحمله من حلول عادلة للمتعاقدين مع الدولة ومنافع جلية للصالح العام على حدٍ سواء مستهدفة ضمان سير المرافق العامة وحسن أدائها.

 وعليه فقد تضمن هذا الجهد المتواضع في الباب الأول منه، التعريف بالعقد الإداري ومعيار تمييزه عن عقود القانون الخاص، ثم عرض للتوازن المالي للعقد الإداري في الفكر المعاصر وفيه تم التعرف على نظرياته نشأةً وتطوراً، وكيف أنها جاءت لتوازن بين حقوق المتعاقد والتزاماته تجاه الإدارة التي تتمتع في العقود الإدارية بامتيازات واسعة، بهدف تسيير المرافق العامة، بانتظام واضطراد، وهي سلطة الرقابة والإشراف على تنفيذ العقد، وسلطة فرض الجزاءات على المتعاقد، وسلطة تعديل العقد. لذا فإن التوازن المالي للعقد الإداري ارتبط ارتباطاً وثيقاً بحق الإدارة في تعديل عقدها، وهو حق ليس له وجود في عقود القانون الخاص، ويعني التوازن العادل للالتزامات والحقوق في العقد الإداري، ومع تعدد آراء الفقهاء بشأن الأساس الذي تقوم عليه هذه النظريات، إلاّ أنها تنبع جميعها من مبادئ أخلاقية وعملية هي العدالة وحسن النية، والنية المشتركة، والطبيعة الذاتية للعقد الإداري وصلته بنشاط المرفق العام، وفي ذلك كله تحقيق للمصلحة العامة.

 وفي الباب الثاني تناولت التوازن المالي للعقد الإداري في النظام والقضاء السعودي الذي يعتمد في قواعده وأحكامه، على الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي منذ بداية تأسيس المملكة العربية السعودية في أوائل القرن المنصرم، وظهر لنا بالدليل القاطع أن الشرع الحنيف، بنصوصه القرآنية الكريمة، وسنة نبيه الأمين - صلى الله عليه وسلم -، وإجماع علمائه، وبما استنبطوه من قواعد فقهية صالحة لكل زمان ومكان، يتسع أفقها ليشمل مبادئ نظريات التوازن وغاياته، بل تفوقت عليها في عموميتها وشموليتها، في جبر الأضرار ورفعها مثل قاعدة الضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، وقاعدة العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، وغيرها كثير من الأحكام والقواعد الشرعية التي تحث على العدل، ومنع الظلم ورفع الضرر وعدم الاعتداء، أو أكل أموال الناس بالباطل التي بمراعاتها توصف الأعمال والتصرفات بالشرعية والجواز، وأنه بناءً على هذه القواعد فقد أجاز مجلس مجمع الفقه الإسلامي للقاضي تعديل الالتزامات العقدية، أو تأجيلها وتعويض المتعاقد، أو فسخ عقده حسب الأحوال، عند مواجهته ظروف طارئة غير متوقعة زادت أعباءه وتكاليفه، مؤدية إلى خسائر جسيمة غير معتادة، بسبب تقلبات الأسعار دون تقصير أو إهمال منه، وقد أبانت الدراسة بأن الفقه الإسلامي قد عالج نظريات التوازن المالي قبل القانون الوضعي بما يزيد على الألف عام، كحلول عملية لمسائل عديدة وإن سميت بأسماء مختلفة مثل (فسخ عقد الإيجار للأعذار، ووضع الجوائح في بيع الثمار، وتعديل العقد في حالة تقلب قيمة النقود) مع تفصيل لآراء المذاهب في كل حالة.

 ولكون القضاء الإداري في المملكة يضطلع به ديوان المظالم وهو تطبيق معاصر لولاية المظالم في الإسلام، فقد تضمنت الدراسة إلقاء الضوء على هذه الولاية العظيمة، وتطورها التاريخي منذ عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين والعصور الإسلامية التالية لهم، مع بيان شروط توليها وصلاحياتها، كذلك استشهدنا ببعضٍ من آيات الذكر الحكيم والسنة النبوية الشريفة لإثبات سند مشروعيتها، وذكرنا بعض مما روي من حوادث تطبيقاً لقضائها.

 ولمّا كان القاضي الإداري يمتثل ويطبق الأحكام والقواعد الشرعية التي تأمر بالعدل وتُحرِّم الظلم، لذا يكون من اليسير عليه إنصاف المتعاقد في مواجهة الإدارة بإعادة التوازن لعقده عند تعرضه لحادث مفاجئ، أو صعوبات، أو ظروف غير متوقعة، وهو ما ظهر واضحاً للعيان عند دراسة أحكام الديوان المتعلقة بنظريات التوازن في الفصل الأخير من هذه الدراسة.

 وفي المبحث السادس من الباب الثاني تعرضت بإيجاز إلى أحكام الفقه الإسلامي فيما يخص ثلاث مسائل تؤثر سلباً في رضاء المتعاقدين، وتجيز تعديل العقد، أو فسخه تحقيقاً للعدل وتوازن الالتزامات والحقوق بين المتعاقدين، وهي الغبن والتدليس وخيار العيب.

 ثم جاء دور المهمة الأساسية للبحث وهي دراسة فكرة التوازن المالي للعقد الإداري في النظام والقضاء السعودي، وقد استلزمت مني الإطلاع على كافة الأنظمة واللوائح والتعليمات ذات العلاقة النافذ منها والملغي منذ تأسيس المملكة العربية السعودية على يد المغفور له الملك عبد العزيز في بداية القرن العشرين الميلادي، وكذلك قرارات مجلس الوزراء الصادرة بشأن العقود الإدارية، وعلى وجه الخصوص ما صدر منها بشأن تعويض المتعاقدين مع الدولة لأسباب خارجة عن إرادة المتعاقدين، وهي الحالات التي تقرر فيها نظريات التوازن المالي استحقاق المتعاقد لتعويض من الجهة الإدارية المتعاقدة، وتبرز أهمية هذه الفترة كون قضاء ديوان المظالم حسب نظامه السابق كان قضاءً مقيداً يلزم تصديق قراراته من جلالة الملك عند عدم موافقة الجهة الإدارية المعنية عليها، وقد انتهت هذه الفترة بصدور نظام ديوان المظالم الحالي عام 1402هـ الموافق (1982) إذ أصبح بموجبه قضاءً إدارياً مستقلاً ومفوضاً في إصدار أحكام نهائية.

 وفيما يخص موقف المنظم السعودي من أحكام نظريات التوازن المالي للعقد الإداري، فقد اطلعت على نظامي المزايدات والمناقصات الصادرين عام 1361هـ الموافق (1941م) ووجدت في بعض نصوصهما إشارات غير مباشرة تمكن من تعويض المتعاقد مع الإدارة في حالات تعرضه لأضرار لأسباب مفاجئة وغير متوقعة لا يد له فيها ودون خطأ من الإدارة.

 وبعد مرور نحو خمسة وعشرين عاماً صدر نظام جديد للمناقصات والمزايدات، أجاز تعديل الأسعار بعد التعاقد بما يتماشى مع أسعار السوق وقت التنفيذ، كما أقر هذا النظام حق المتعاقد مع الإدارة في احتساب فرق الرسوم والضرائب التي دفعها فعلاً عند تغير التعرفة الجمركية أو الرسوم الأخرى.

 ثم صدر فيما بعد نظام تأمين مشتريات الحكومة وتنفيذ مشروعاتها وأعمالةا، وهو (النظام النافذ حالياً) وقد ألغى كل ما يتعارض معه من أحكام مع استمرار نفاذ الأحكام التي لا تتعارض معه من النظام السابق، وفيه أكد المنظم السعودي على موقفه السابق من الأخذ ببعض أفكار ومبادئ نظريات التوازن المالي مثل إثبات حق المتعاقد في الإعفاء من غرامة التأخير في حالة القوة القاهرة، أو الحدث الطارئ في عقود الأشغال العامة وعقود التشغيل والصيانة وعقود الأعمال الاستشارية، وأجاز تمديد العقد إذا كان التأخير بسبب تكليف المتعاقد بأعمال جديدة، كما أكد النظام موقفه تجاه توفير المعلومات الكاملة للمتعاقد، بل أضاف نصاً يلزم الإدارة بتقديم هذه المعلومات لجميع المتنافسين وفي وقت واحد؛ لتحقيق العدل والمساواة بينهم، كما ألزم المتعاقد بالتحري بنفسه قبل تقديم عرضه عن طبيعة العمل وظروفه، وأثبت حق الإدارة في تعديل العقد بالزيادة، أو النقص في حدود 20% من قيمة العقد في المادة (25) من لائحته التنفيذية، وهي تماثل نص المادة (29) من النظام السابق، ثم صدر تعديل لهذه المادة بإنقاص نسبة حق الإدارة في زيادة الأعمال بعد التعاقد من 20% إلى 10% لتجنيب ميزانية الجهة الحكومية أعباء إضافية، ولتحفيز الجهات القائمة على إعداد المشروع وتخطيطه، في حساب التكاليف بصورة دقيقة قبل ترسية المشروع.

 ونظراً لكون ديوان المظالم في ظل نظامه السابق لا يملك صلاحية القضاء المفوض، كما أن نظام مجلس الوزراء يخول المجلس الهيمنة الكاملة على قضايا الإدارة والاختصاص في الأمور المالية للدولة، فقد أصدر المجلس العديد من القرارات التي تضمنت تعويضات لمقاولين مُنوا بخسائر نتيجة ظروف طارئة أو إجراءات إدارية، أو صعوبات مادية غير متوقعة لم يكن لهم دور في حصولها، ولم يكن بإمكانهم تجنبها.

 ثم قمت بتصنيف ثلاثة نماذج من هذه القرارات لكل حالة من حالات نظريات التوازن المالي الثلاثة.

 وبدراسة أحكام ديوان المظالم الصادر في قضايا تعويض المقاولين في حالات اختلال توازن العقد الإداري، لأسباب مفاجئة، وغير متوقعة من الطرفين، تبيّن لي وجود عاملين مؤثرين تعذر على الديوان بوجودهما إصدار أحكام نهائية في هذه المنازعات، أولها: كون الديوان بموجب نظامه السابق لا يملك اختصاص إصدار أحكام نهائية فيما يعرض عليه من منازعات سوى تلك الصادر بها نظام خاص، أو قرارات من مجلس الوزراء تضمنت منحه هذه الصلاحية، ولم تكن قضايا التوازن المالي منها. وثانيها: صدور قرار مجلس الوزراء رقم 818 في 17/5/1396هـ الموافق (16/5/1976م) بقصر اختصاص الديوان في إصدار أحكامٍ نهائية في قضايا تعويض المقاولين على تلك التي يثبت فيها تقصير الجهة الإدارية فقط، بالإضافة إلى صدور قرارات سامية تالية تؤكد هذا الحظر.

 وبما أن ديوان المظالم قد منح بموجب نظامه الحالي الصادر عام 1402هـ الموافق (1982م) صلاحية إصدار أحكام نهائية في منازعات العقود الإدارية، وفقاً للمادة الثامنة فقرة (1/د) منه، لذا فقد تطلب الأمر تقسيم دراسة هذه الأحكام إلى فترتين، الأولى: هي تلك الصادرة أثناء سريان نظامه السابق، والثانية: للأحكام الصادرة بعد نفاذ نظامه الحالي.

 وبتأمل الأحكام الصادرة في الفترة الأولى تبيّن لي بأنها التزمت بتطبيق القرار 818 على ما تضمنته من منازعات بأن يكون طلب التعويض مبنياً على الادعاء بوجود أضرار ناشئة عن تقصير الجهة الإدارية.

 ويجدر التنويه هنا إلى أمرين أولهما: بأن اللجان تقتصر في حكم التعويض على الأضرار المباشرة فقط، أمّا الأضرار غير المباشرة والربح الفائت، فإنها لا تعوض عنها؛ لأنها برأيها من قبيل تسلسل النتائج، وغير محققة الوقوع وبدون مستندات كافية للإقناع. وثانيهما: هو أن اللجان قد توسعت في تفسيرها للتقصير المقصود في القرار 818 ليشمل بين ما يشمل حالات عديدة تدخل في نطاق حق الإدارة وسلطاتها في التعديل، والإشراف والتوجيه على عقودها الإدارية، حتى بات من المألوف توصيف بعض أحكامها بأكثر من وصف، ففي حين تكيف الواقعة من اللجنة باعتبارها خطأ من الإدارة أوجب التعويض، يجد المتأمل لهذه الأحكام بأنها تندرج تحت وصف إحدى نظريات التوازن المالي على التفصيل الوارد في موضعه.

 وبعد دراسة ما أصدره الديوان من أحكام خلال بضع سنوات سابقة على صدور نظامه الحالي مما تم نشره ضمن مجموعة المبادئ الشرعية والنظامية التي قررتها لجنة تدقيق القضايا أمكن تصنيف ثلاث مجموعات تُكيّف كل مجموعة منها على أنها تطبيق لإحدى نظريات التوازن المالي حسبما دلت عليه من وقائع.

 ثم حصل تطور هام بصدور قرار مجلس الوزراء رقم 258 بجلسته المنعقدة في 19/1/1421هـ الموافق (23/4/2000م) منهياً مرحلة التفسير الخاطئ بحصر اختصاص الديوان في قضايا تعويض المقاولين بتلك التي تنطوي على خطأ منسوب للإدارة تسبب في الإضرار، مقرراً اعتبار القرار رقم 818 ملغياً منذ نفاذ النظام الحالي وإطلاق اختصاص الديوان بأثر رجعي وفقاً لما هو مقرر في نظامه بإصدار أحكام نهائية في منازعات العقود الإدارية.

 وبديهي أن هذا القرار هو كاشف لاختصاص الديوان وليس مقرراً له، وقد زال على أثره الحظر السابق، وبدأت تصدر الأحكام التي تحتوى على مبادئ، وأفكار نظريات التوازن المالي.

نتائج البحث وتوصياته

 من خلال استعراضنا للنصوص النظامية الصادرة بشأن الحالات والظروف المفاجئة التي تجيز إعفاء المتعاقد من غرامة التأخير، وتعويضه عن خسائرها تبيّن أن المنظم السعودي قد قنّن بعض أفكار نظريات التوازن المالي للعقد الإداري منذ ما يزيد على الأربعين عاماً انطلاقاً من تعاليم وأحكام الشرع الحنيف التي تتوافق معها أهداف النظريات الحديثة موضوع البحث، وقد عزز هذا التوجه قرارات مجلس الوزراء والتعاميم واللوائح والنماذج المعتمدة لعقود الأشغال العامة والتشغيل والصيانة والنظافة التي تضمنت ملامح لهذه الأفكار.

 ولأسباب تتعلق بالاختصاص، فقد شهدت الفترة السابقة على صدور نظام الديوان الحالي تولي مجلس الوزراء مهمة البت في مطالبات تعويض المتعاقدين مع الجهات الإدارية بسبب ظروف طارئة، أو إجراءات إدارية مفاجئة، أو صعوبات مادية أدت إلى خسائر، قرر فيها المجلس التعويض عنها (كما تم تفصيله في موضعه).

 ولعدم منح الديوان صلاحية إصدار أحكام نهائية في نظامه السابق، واستمرار مشكلة الاختصاص في قضايا التوازن المالي بعد صدور نظامه الحالي، ((رغم وجود نص صريح يعطيه هذا الحق)) بسبب تفسير الديوان للقرار رقم 818 باعتباره الاستثناء الوحيد الذي يعطيه اختصاص إصدار أحكامٍ نهائية في قضايا التعويض عند ثبوت تقصير من الجهة الإدارية، أما فيما عدا ذلك فلا بد من صدور إذن خاص من المقام السامي للديوان بنظر تلك المطالبات، لذا فقد ظهر نقص ملحوظ في عدد أحكام الديوان التي انتهت بتعويض المقاولين عن أضرارهم عند اختلال الميزان المالي لعقودهم لأسباب طارئة غير متوقعة دون ثمة خطأ منسوب للإدارة.

 إلاّ أن مسألة الاختصاص المقيد للديوان انتهت حتماً بالتفسير الرسمي لنصوص ديوان المظالم النافذ بصدور قرار مجلس الوزراء الأخير بجلسة 19/1/1421هـ الموافق (23/4/2000م) فاتحاً الباب لنظر قضايا التعويض الناشئة عن اختلال توازن العقد المالي لأسباب غير متوقعة، للفصل فيها بأحكام قضائية من الديوان بدأت طلائعها في الصدور خلال السنوات الثلاثة الأخيرة.

 ومع وجود النصوص النظامية ذات التأصيل الشرعي والتي تتوافق مع نظريات التوازن المالي إلى جانب ما أظهرته العديد من الأحكام القضائية من دراية وسعة إطلاع قضاتها على آراء الفقه والقضاء الإداري المعاصر بشأن هذه النظريات وغاياتها، وحسم مسألة الاختصاص مؤخراً، فإنه يمكن القول بأن المرحلة القادمة سوف تشهد صدور الكثير من الأحكام التي تصب في صالح المقاولين المتضررين من ظروف، أو إجراءات، أو صعوبات مفاجئة، وغير متوقعة ولا يد لهم فيها أدت إلى تحملهم خسائر، وأضرار أثناء تنفيذ عقودهم الإدارية، تقرر لهم التعويض العادل عنها لتعيد التوازن المالي إلى عقودهم، وتعينهم على مواجهة أعبائهم المالية، ولتحفزهم على الاستمرار في الوفاء بالتزاماتهم التعاقدية في إنشاء وتشغيل وصيانة المرافق العامة، وبأسعار وأجور مناسبة، خالية من المبالغة، أو الاحتياط للظروف والمفاجآت، بعد أن ضمنوا وقوف الجهة الإدارية المتعاقدة معهم ومشاركتهم في تحمل الأضرار المادية الناتجة عن هذه الحالات.

 وبدراسة أحكام الديوان ذات العلاقة بفكرة التوازن المالي للعقد فقد ظهر لي عدة أمور أوجزها فيما يلي: -

1-   أولها استقرار قضاء الديوان على عدم الحكم بالتعويض عن الربح الفائت للمتعاقد بسبب الظروف الطارئة، أو الصعوبات والإجراءات غير المتوقعة، عند احتساب التعويض عن الخسائر التي مني بها المتعاقد نتيجة لها، باعتبار أن هذا الربح هو أمر غير مؤكد الحصول، وهو من باب تسلسل النتائج التي لا يمكن التحقق من مقداره، وأساس ذلك أن الأحكام تبنى على اليقين والقطع، وأن الظن لا يغني عن الحق شيئاً، والقاعدة هي إذا تطرق الشك إلى الاحتمال سقط به الاستدلال. وهذا اتجاه حسن يتماشى مع القواعد الشرعية، وينسجم مع غايات نظريات التوازن المالي التي يقصد بها مساعدة المتعاقد على إقالة عثرته، بسبب ظروف مفاجئة ليتمكن من الاستمرار في خدمة المرفق العام، فضلاً عن أن هذه النظريات تعالج حالات استثنائية نادرة، غرضها التخفيف على المتعاقد من آثار هذه الظروف، بالحد من خسائره دون تقرير أرباح احتمالية له لا وجود لها في الواقع، ولا أدل على ذلك من اقتصار تعويض المتعاقد في نظرية الظروف الطارئة بإلزام الجهة الإدارية في مشاركته بتحمل جزء من أضراره الناتجة عن الظرف الطارئ فقط.

2-   والأمر الثاني خاص بالصعوبات المادية غير المتوقعة، فقد تبيّن مما سبق أن قضاء الديوان لا يحرم المتعاقد من التعويض عن هذه الحالة حتى عند وجود نص تعاقدي يقضي بعدم المطالبة بالتعويض عند حصولها، معتبراً أن هذا النص قصد فيه الطرفان الصعوبات المادية العادية، أمّا تلك الصعوبات الاستثنائية، فإن حق المتعاقد في الحصول على تعويض عن أضرارها ثابت، لا ينال منه وجود مثل هذه النصوص؛ لأنها لم تكن معروفة أو متوقعة، بل لا يتأتى للطرفين معرفة ذلك إلاّ بعد اكتشافها. وأرى أن تفسير الديوان هذا في محله إذ إنه يتفق مع موقف القضاء الإداري المعاصر، وينسجم مع أحكام الشريعة التي تمنع الغرر والغبن، وهو يصب في مصلحة المتعاقد، ويرفع الضرر عنه في مواجهة هذه الصعوبات، ومن شأنه أن يعيد التوازن للعقد المختل، وفي ذلك درء مفسدة، وجلب مصلحة وتحقيق للعدل وخدمة للمرفق العام.

3-   والأمر الثالث هو أنه كما هو معلوم فإن نظرية الظروف الطارئة تنفرد عن نظريات التوازن المالي الأخرى بأنها تتطلب من بين ما تتطلب من شروط أن يلحق المتعاقد خسارة جسيمة من شأنها قلب اقتصاديات العقد رأساً على عقب في حين أن نظريتي عمل الأمير والصعوبات الاستثنائية غير المتوقعة لا تتطلب هذا القدر الكبير من الخسائر، وإنما يكفي لتطبيقهما أن يحدث الضرر أياً كان حجمه من جراء الظرف، أو الصعوبة المادية، أو إجراء السلطة غير المتوقع، خسارة تؤدي إلى الإخلال باقتصاديات العقد، وقد أدى شيوع معيار الضرر الجسيم إلى تضمن بعض من أحكام ديوان المظالم ما يفيد عدم انطباق نظرية الظروف الطارئة؛ لتخلف هذا الشرط مع أنه قضى بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالمتعاقدين مع جهات إدارية مؤسساً ذلك على قواعد شرعية ونصوص نظامية وعقدية(1).

 وهذا الشرط بحاجة لإعادة النظر فيه لعدة أسباب هي أولاً: صعوبة الاتفاق على تحديد معيار واضح للخسارة الجسيمة، وثانيهما: هو أن مشاركة الإدارة في التعويض عن الخسارة عند تحقق هذا الشرط هي جزئية لا تشمل كل الأضرار، وبالتالي فإن التمسك بهذا الشرط من شأنه تحميل المتعاقد كافة الأضرار الناشئة عن الظرف الطارئ عند عدم إثبات الخسارة الجسيمة أمام القضاء، وفي أحسن الأحوال بعد إثبات جسامة الضرر سوف يتحمل المتعاقد جزءاً منها. والسبب الثالث: الذي يرجح عدم الأخذ بمعيار الخسارة الجسيمة هو أن القول بارتباط التعويض بالخسارة الجسيمة سوف يفوت الغرض الذي تستهدفه النظرية وهو مد يد العون للمتعاقد المنكوب لتجاوز الصعوبات التي خلفها الظرف الطارئ وأثر ذلك على ديمومة واستمرار المرفق العام بحجة واهية هي كون الخسارة غير جسيمة (وربما تكون أقل منها بقليل) وهو أمر لا يتفق مع مبدأ التوازن المالي، وما يرمي إليه من إعادة التكافؤ والتوازن للعقد المختل بفعل مثل هذه الظروف فضلاً عن أن هذا الشرط لا يتفق مع القواعد الشرعية في إزالة الضرر، ومبادئ العدل، وحسن النية في تنفيذ العقود، وما تقره أيضاً نظريات التوازن الأخرى في هذا الشأن. وبرأينا أنه يكفي في هذه الحالة أن يكون مقدار الخسارة الناشئة عن الظرف الطارئ خسارة استثنائية غير عادية وبقدر ملموس على غرار المعيار المعتمد للخسارة الناشئة بسبب إجراء السلطة الإدارية والصعوبات المادية الاستثنائية.

4-   أما الأمر الرابع: فهو يتعلق بتحديد الجهة الإدارية مصدرة الإجراء المسبب للفعل الضار لإمكان تطبيق نظرية عمل الأمير عليه، فقد رأينا انقسام الفقه والقضاء ما بين موسع يعممه على كل أجراء صادر من سلطة عامة، ومضيق يقصره على الجهة الإدارية المتعاقدة، بل لم يسلم من ذلك قضاء مجلس الدولة في كل من فرنسا ومصر، فبعد أن كانا يأخذان بالمفهوم الواسع للنظرية، تخليا سريعاً عنه بقصر الإجراء المسبب للضرر على ذلك الصادر من الجهة الإدارية المتعاقدة، وهو أمر يدعو للتأمل والمراجعة، إذ لا مبرر لهذه التفرقة إزاء حقيقة مسلم بها فقهاً وقضاءً، هي أن الدولة بكل وزاراتها وإداراتها ومؤسساتها وأجهزتها كيان واحد مستقل لشخص معنوي واحد، وذمة مالية واحدة، مهما تعددت مسمياته (1) وأياً ما كان مصدر الإجراء فإن ما يبرر التعويض هو الضرر الخاص ذاته الذي أصاب المتعاقد الذي لا يشاركه فيه غيره ممن مسهم الإجراء الإداري، وأهداف النظرية تتطلب عدم قصره على الجهة الإدارية المتعاقدة فقط، ولا ينال من هذا الرأي القول بأن العلاقة التعاقدية في العقد الإداري قائمة بين الجهة الإدارية التي أبرمت العقد والمتعاقد إذ إن الشخصية المعنوية الواحدة للدولة وذمتها المالية تجعل من أعضاء الحكومة ورؤساء الهيئات والمؤسسات العامة، ومعاونيهم هم من يباشرون أعمال الدولة بالنيابة القانونية عنها وفقاً لصلاحياتهم، وفي نطاق مبدأ المشروعية، والعقد الإداري في حقيقته أحد أطرافه الدولة وإن تعددت أسماء، أو صفات من يمثلها فيه وبالتالي فإن أعمال السلطة أياً كان مصدرها هي بمثابة إجراء صادر من الجهة الإدارية المتعاقدة في واقع الأمر

 

بيانات الكاتب

مركز النظم للدراسات  وخدمات البحث العلمي مركز النظم للدراسات وخدمات البحث العلمي يُعد مركز النظم للدراسات وخدمات البحث العلمي أحد المراكز العلمية المتميزة في مجاله لما يقدمه من خدمات راقية تغطي كافة احتياجات طلاب وطالبات الدراسات العليا ، حيث يضم المركز بين جنباته كفاءات علمية عالية تم اختيارها بدقة وعناية لتقديم أفضل الخدمات الممكنة، فمنذ تأسيسه عام 1421هـ وهو يسير بخطوات واثقة لمساعدة طلاب الدراسات العليا، ومد يد العون لهم، في كافة المجالات والتخصصات ، من مختلف المراحل الماجستير والدكتوراه.
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة

علامات مرتبطة:

لا توجد علامات لهذا الموضوع

من اختيارات المحررين

تامر علي محمد عين شمس الطب أمراض الباطنة الماجستير 2001 ... تفاصيل أكثر
بهيجة إسماعيل البهبهاني عين شمس العلوم علم الحيوان دكتوراه 1999 ... تفاصيل أكثر
بلال محمد أبو حوية دمشق الشريعة علوم القرآن والحديث ماجستير 2008 ... تفاصيل أكثر
باسم محمد جسرها عين شمس الطب الجراحة العامة الماجستير 2006 ... تفاصيل أكثر
جيلان عبد الحي عبد الحميد الزيني عين شمس معهد الدراسات والبحوث البيئية الدراسات الإنسانية ماجستير 2004 ... تفاصيل أكثر

من المقالات الجديدة

المعارضون للصهيونية من اليهود

مهند بن عبدالرحمن بن عبدالله القصيِّر- المرحلة: ماجستير == الجامعة: الإمام محمد بن سعود الإسلامية == الكلية: أصول الدين == القسم: العقيدة والمذاهب المعاصرة ==1439هـ

المعارضون للصهيونية من اليهود

مهند بن عبدالرحمن بن عبدالله القصيِّر- المرحلة: ماجستير == الجامعة: الإمام محمد بن سعود الإسلامية == الكلية: أصول الدين == القسم: العقيدة والمذاهب المعاصرة ==1439هـ

المدرسة المنتجة في التعليم العام بالمملكة العربية السعودية : مقترح تطبيقي

رسالة قدمت من الطالبة: أروى بنت علي أخضر لنيل درجة الدكتوراه من قسم الإدارة التربية - كلية التربية - جامعة الملك سعود - 2012م

التربية الإعلامية نحو مضامين مواقع الشبكات الاجتماعية

دراسة مُقدمة من أحمد جمال حسن محمد للحصول على درجة الماجستير فى التربية النوعية تخصص (الإعلام التربوي)-- جامعة المنيا- كلية التربية النوعية- قسم الإعلام التربوي- 2015

دراسات على الديدان الطفيلية في القوارض من الكويت

بهيجة إسماعيل البهبهاني عين شمس العلوم علم الحيوان دكتوراه 1999

تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد

بلال محمد أبو حوية دمشق الشريعة علوم القرآن والحديث ماجستير 2008

دراسة تقارنية بين البرتوكولات الحديثة لعلاج الحروق الشديدة خلال المرحلة الحادة

باسم محمد جسرها عين شمس الطب الجراحة العامة الماجستير 2006

تأثير التغير الاجتماعي على دور المقهى دراسة ميدانية لبعض المقاهي في بيئات اجتماعية متباينة

جيلان عبد الحي عبد الحميد الزيني عين شمس معهد الدراسات والبحوث البيئية الدراسات الإنسانية ماجستير 2004
Powered by ePublisher 2011