الرئيسية | الملخصات الجامعية | دور المرأة في الجمعيات الأهلية دراسة ميدانية لعينة من الجمعيات الأهلية النسائية

دور المرأة في الجمعيات الأهلية دراسة ميدانية لعينة من الجمعيات الأهلية النسائية

حجم الخط: Decrease font Decrease font Enlarge font

منال عبد السلام بدوي عين شمس الآداب الاجتماع الدكتوراه 2003

ملخص الدراسة:

من ابرز الظواهر الاجتماعية التي يشهدها المجتمع الحضري في مصر في الوقت الراهن هو إحياء المجتمع المدني من جديد بعد فترة شهدت سيادة الممارسات السلطوية والتي كان من ابرز سماتها إقصاء مؤسسات المجتمع المدني عن الإسهام الإيجابي والفعال في التصدي للمشكلات الاجتماعية والإسهام المؤثر في خطط التنمية.

      تتخذ هذه الدراسة الجمعيات الأهلية محور رئيسي لدراسة المجتمع الحضري، إذ لا يمكن أن يتكون أي مجتمع دون وجود مؤسسات اجتماعية وتفاعل مشترك بين الأفراد داخل المجتمع، باعتبار أن المؤسسة الاقتصادية والتعليمية والدينية والإدارة الحاكمة ضرورة لتحقيق أهداف أساسية لقيام المجتمع المحلى باعتبار هذه المؤسسات تترابط وتتكامل فيما بينها.

      ولا شك أن للمرأة دور في التغييرات التي طرأت على المجتمع، إذ تشكل المرأة نصف المجتمع أي نصف ثروته البشرية تقريبا وتأخرها في مجال النشاط الاجتماعي يحرم المجتمع من نصف هذه الثروة. ويشمل النشاط الاجتماعي تكوين الجمعيات الأهلية التي تلعب دورا كبيرا في تقديم الخدمات الخيرية والاجتماعية ولكن تكوين هذه الجمعيات تخضع للسياسات التي تحددها الدولة في المراحل المختلفة.

      تنبع أهمية هذه الدراسة من ضرورة تعاظم الدور الذي تلعبه المرأة في مجال العمل التطوعي والجمعيات الأهلية حتى يخدم جميع مجالات التنمية. ويضاف إلي ذلك أن دور الجمعيات الأهلية ليس دورا محدودا بل له فروع متعددة خاصة فيما يتعلق بالصحة والتعليم وتقديم الخدمات لصغار السن والمسنين. كما أن قضية مشاركة المرأة في قضية التنمية أضحت عاملا ملحا من عوامل الإسراع بتحقيق الأهداف الوطنية والقومية. فقد أصبحت المرأة تشارك في الحياة الاجتماعية السائدة مشاركة فعالة، وهى تهدف في ذلك خدمة أفراد مجتمعها فهذا الدور الريادي التطوعي تهدف منه تقديم عمل إنساني بالدرجة الأولى قائما على العمل المشترك بينها وبين أفراد مجتمعها ومن خلاله تستطيع حل المشكلات المتعددة التي تواجه أفراد المجتمع، ونجاح الأعمال التطوعية في المجتمع يتوقف على عدة عوامل من بينها اقتناع الأفراد بالمتطوعين وإقبالهم على التعامل معهم من اجل تحسين مستوى المعيشة الاجتماعي والصحي والاقتصادي

      والجدير بالذكر هو أن نشاط الجمعيات الأهلية هو نشاط تطوعي بالدرجة الأولى نابع من الفرد ذاته وهو يؤديه دون مقابل منه في أن يؤدى عملا لمجتمعه ورغبة منه في تحقيق أعمال إيجابية فيها صالحه وصالح المجتمع والمجتمع الحضري هو مجال خصب للعمل التطوعي بسبب ضعف الروابط الأسرية واحتياج المواطنين بصورة أقوى إلى العمل المشترك داخل جماعات واعتمادهم على العمل التعاوني، ذلك فان القيام بالأعمال التطوعية والعمل المشترك يؤدى إلى الترابط الاجتماعي الذي يساعد على الاشتراك في عمليات البناء والتفاعل الاجتماعي

      تلفت هذه الدراسة النظر إلى دور الجمعيات النسائية في العمل التطوعي وهو دور هام لأنه يبرز مدى التطور الذي حدث على اشتراك المرأة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهذا التطور قد حدث نتيجة لعدة عوامل منها التعليم وارتفاع مستوى إدراكها لقضايا مجتمعها وكذلك لمشاركتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أو بقول أخر أصبح وجود نوع من الوعي والرغبة في تحقيق الذات من خلال ممارسة أعمال ذات خدمة عامة كالأعمال التطوعية من خلال اشتراكها في بعض الجمعيات التطوعية أو المحلية

ومن هنا فأن دور المرأة في الجمعيات الأهلية بات أمرا ملحا يستوجب الوعي به وتفصيل ملامحه حتى يكون دور المرأة في المجال الاجتماعي دورا إيجابيا يسهم في تأسيس بنية المجتمع وذلك أن نشاط المرأة في مجال الجمعيات الأهلية يمثل مساهمة إيجابية في عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة.

      وقد اختارت الباحثة قضية دور المرأة في الجمعيات الأهلية كموضوع للبحث والدراسة لان وضع المرأة في أي مجتمع يعتبر أحد المعايير الأساسية لقياس درجة تقدمه، خاصة أن قضية انتشار الجمعيات الأهلية يعتبر في الأصل مؤشرا على التقدم الاجتماعي والتغيير الحضاري إذ أنه كلما تقدم المجتمع ونما كلما كانت فرصة المرأة أوسع في المشاركة في الحياة العامة والتمتع بحقوقها والقيام بالتزاماتها، لذلك رأت الباحثة أن تكون دراستها عن: ""دور المرأة الجمعيات الأهلية في جمهورية مصر العربية"".

مشكلة البحث.

إن هذا العمل يهتم بمتابعة وتحليل مسألة المرأة في مصر من خلال تفاعلات الدولة والمجتمع المدني، ويركز بصفة أساسية على الجمعيات الأهلية النسائية، التي بدأت تتواجد عل ساحة العمل الأهلي مع بدايات القرن العشرين، وعكست التيارات الثقافية المختلفة وبلورت قضايا المرأة في المجتمع المصري، ويمتد الإطار الزمني للدراسة من النصف الأخير من القرن التاسع عشر مارا بالقرن العشرين حيث تأسست المنظمات النسائية التي تعبر عن قضايا ومطالب المرأة. وتمتد الدراسة تتبع وتحلل طرح مسألة المرأة في مصر من خلال إسهامها في العمل الأهلي حتى اللحظة الحالية.

إن مشكلة الدراسة تتحدد في التعرف على حجم الدور الذي تقوم به المرأة من خلال نشاطها في الجمعيات، وعلى مدى فاعلية هذا الدور من الناحية العملية، وتتعلق المشكلة بالتعرف على دور المرأة التطوعي في الجمعيات الأهلية من خلال الدراسة الميدانية للحصول على حجم الجمعيات التي تشارك فيها المرأة. وتحديد هذه المشكلة يتضمن ثلاثة أنماط من المتغيرات، يمكن تفصيلها على النحو التالي:

المتغير التابع : إن الدين من أهم المتغيرات التي شكلت منذ التاريخ المبكر دور المرأة في العمل الأهلي الذي يعتمد على مبادرات تطوعية خاصة العمل الخيري. لقد ساهم الدين مساهمة رئيسية في صياغة مبادرات المرأة في العمل الأهلي، وفتح الفضاء لها كمتطوعة بالوقت ومانحة بالمال، وبالتالي نحن لا نستطيع فهم دور المرأة في هذا المجال دون أم نعود إلى هذا المتغير.

المتغيرات المستقلة: وهى العوامل التي تعوق أو تساهم في عملية تأسيس الجمعيات والعامل الأساسي في هذا الصدد هو تحديد سياسات الحكومة إزاء الجمعيات الأهلية فقد ارتبطت الثلاث سنوات الأخيرة ببعض المؤشرات التي تبرز تغييرا في السياسات الحكومية بهذا الخصوص، إن المتغير الرئيسي الذي دفع نحو التغيير إزاء الجمعيات الأهلية ارتبط بسياسة الإصلاح الاقتصادي Structural Adjustment Packages  وتوقيع الاتفاقية مع صندوق النقد الدولي، لذلك سوف يلقى هذا البحث الضوء على مظاهر التغير وتحليل أسبابها. كما يهتم بإبراز القوى السياسية التي لعبت دورا في تحقيق هذا التغير أو طالبت به، إن من أبرز الملامح الحالية لسياسات الدولة تجاه العمل الأهلي يتمثل في دعم الدولة للجمعيات العاملة في مجال رعاية الأمومة والطفولة والمرأة الريفية وخدمات تنظيم الأسرة.

ومن المتغيرات المستقلة قضية التمويل، ويتعلق ذلك بمدى اعتماد المنظمات النسائية على التمويل العام من ميزانية الدولة، إن هذا التمويل في حالة منظمات المرأة يؤثر عل حرية هذه المنظمات في ممارسة نشاطها خاصة ما يتعلق بأدوارها الدفاعية Advocacy، ويجعلها تركز على الخدمات Services التي تكمل أنشطة الدولة.

وهناك أيضا متغيرات وسيطة تتعلق بالبيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية وهو على درجة عالية من الأهمية ويعرف باسم الثقافة المدنية Civic Culture وهذه الثقافة ناتج لتفاعل الكثير من العوامل من أهمها التنشئة الاجتماعية والتي تبدأ من الأسرة وكذلك النظام السياسي للدولة، كما تشمل الثقافة المدنية على عناصر أساسية أهمها رغبة المواطنين في المشاركة والنزوع إلى التطوع والقدرة على إدارة الخلافات والأداء المهني والثقة المتبادلة بين مؤسسات القطاع الأهلية والدولة. وبذلك يعد هذا المتغير من العوامل الأساسية التي تؤثر تأثيرا مباشرا على مشاركة المرأة في العمل الأهلي.

المتغيرات الوسيطة : وهي العوامل أو الظروف التي تساعد على تشجيع أو تقييد دور المرأة في العمل التطوعي. من أهم هذه العوامل هو التعليم فالمرأة المتعلمة هي الأكثر قدرة على المشاركة بدور إيجابي في الحياة العامة. كما أن المرأة العاملة أكثر حرصا على المشاركة في العمل التطوعي وذلك لاحتكاكها بالمشاكل التي تواجها من خلال عملها باعتبار أنها تمثل قضايا عامة. وأخيرا فللثقافة العامة والتنشئة الأسرية دورا كبيرا في تحديد مدى إقبال المرأة على العمل التطوعي.

أهمية الدراسة.

إن العرض السابق لمشكلة الدراسة تقودنا إلى التأكيد على أهمية الدراسة، انطلاقا من الاعتبارات التاريخية والعملية سابقة الذكر، بالإضافة إلى اعتبارات أخرى أكاديمية، يهمنا أيضا تناولها في سياق تقديم هذا العمل.

في العقد الخير على وجه الخصوص، ومع تزايد الاهتمام بدراسات المرأة، في الوقت ذاته تنامي دراسات المنظمات غير الربحية Non Profit Organizations، والدور الاقتصادي والاجتماعي الذي يمكن أن تلعبه، برز الاتجاه نحو دراسة دور المرأة في القطاع الثالث أو القطاع الخيري، للكشف عن الدور التاريخي للمنظمات النسائية، ومجالات أنشطتها، ومصادر تمويلها، والدور السياسي والاجتماعي الذي يمكن أن تلعبه، كل ذلك بهدف تفعيل دورها بهذا المجال.

      لقد كان هذا الاهتمام الملحوظ بدراسة المرأة هو رد فعل لعدد من العوامل تأتى في مقدمتها التطورات التي لحقت بالحركة النسائية من جانب واهتمام الخطاب السياسي العالمي متمثلة في مواثيق الأمم المتحدة كافة بتحقيق المساواة للمرأة سواء من منظور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أو الحقوق السياسية، ثم جاءت المؤتمرات العالمية مثل مؤتمر القاهرة للسكان 1994، وقمة العالم للتنمية الاجتماعية 1995، والمؤتمر العالمي للمرأة 1995، لتعكس وتعمق كل ما يرتبط بتحقيق المساواة وتفعيل الدور السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمرأة في الدول النامية والدول المتقدمة.

      وفى الوقت الذي تزايدت فيه إلى درجة كبيرة، مناقشة وطرح دور المنظمات غير الحكومية كملمح للنظام الحالي العالمي وهو في مرحلة إعادة التشكيل، بدأ الاتجاه نحو دراسة المنظمات النسائية بتنامي، لكي يربط بين تفعيل مشاركة المرأة والمنظمات الأهلية.

أهداف الدراسة

تهدف الدراسة إلى إلقاء الضوء على دور المرأة في تدعيم وتكوين وتنمية الجمعيات الأهلية من خلال الإجابة على التساؤلات الآتية:

1- تتبع دور المرأة في المراحل التاريخية المختلفة وإبراز ارتباطه بالنظم السياسية على مر العصور بداية بمطلع القرن التاسع عشر حتى وقتنا الحالي للتعرف على اتجاه وأنماط العمل الأهلي الذي تشارك فيه المرأة.

2- تحديد طبيعة دور المرأة في العمل الاجتماعي، وهل هو قاصرا على أنشطة معينة، وكيف يمكن توجيهه ليصبح أكثر فاعلية في ظل السياسات التي تحددها الدولة.

3- ما هي البرامج والمشروعات التي قدمتها المرأة من خلال الجمعيات الأهلية وهل حققت أهدافها في مجال التنمية، وما هي البرامج الحالية التي تقدمها المرأة وهل يكفى هذا الدور الذي تقوم به المرأة ليمثل مساهمة إيجابية في مجال التنمية الاجتماعية.

4- ما هو الدور الذي يمكن أن تقدمه المرأة من خلال العمل الأهلي، للحفاظ على تماسك المجتمع ومواجهة الآثار السلبية للعولمة.

5- ما هي المشكلات التي تعوق سبيل المرأة من أجل تحقيق أهداف الجمعيات سواء أن كانت هذه المشكلات تتعلق بالجوانب المادية أو البشرية أو التنظيمية، وما هي المقترحات لزيادة فاعليتها.

وأخيرا تهدف الدراسة إلى اختبار فرضية تم اختبارها في عدد من الدراسات في العالم وهى أن المرأة تعمل من خلال المنظمات غير الحكومية، لتخلق خطوط قوة متوازية، بخلاف المؤسسات ذات الصفة السياسية والأحزاب، لكي تعوض محدودية مشاركتها في مؤسسات المجتمع المدني وفى المجالس التشريعية. بهذا المعنى فان هذا الافتراض السابق يستند إلى فكرتين، أولهما: محدودية دور المرأة في مؤسسات المجتمع المدنى وقدرتها المحدودة على التأثير في عملية صنع السياسات وصنع القرار، وثانيها اعتماد المرأة على المنظمات غير الحكومية أو الجمعيات الأهلية لكي تتمكن من التأثير في السياسات العامة. إن الفرضية السابقة لم تتعرض مباشرة للاختبار في الواقع المصري، وعبر مراحل تاريخية وسياسية متلاحقة، وهو ما تهدف هذه الدراسة إلى اختباره.

مجالات البحث.

المجال الزمني: وهو الفترة الزمنية التي تهتم بها الدراسة وقد اختارت الباحثة هذه الفترة لتشمل بداية السبعينات وذلك للتعرف على الجمعيات الأهلية التي تقودها المرأة في العصر الحديث كما أن هذه الفترة تتزامن مع سياسات التحول إلى القطاع الخاص وسياسات الإصلاح الاقتصادي الهيكلي، كما حظيت الجمعيات الأهلية باهتمام غير مسبوق من قبل الدولة وذلك لسد الثغرات التي تراجعت فيها السياسات العامة.

المجال المكاني: وسوف تختار الباحثة عينات الدراسة من الجمعيات الموجودة بمدينة القاهرة، أي أن هذه الجمعيات تقع بمدينة القاهرة. وترجع عوامل تفضيل أو اختيار مدينة القاهرة للأسباب التالية:

- ذلك أن عدد الجمعيات التي تعمل في مجال التنمية وغيرها من الخدمات الثقافية والتعليمية والدينية يشمل إجمالا 14000، منها في مدينة القاهرة وحدها 4000 جمعية وهو ما يمثل 28,5% من إجمالي عدد الجمعيات. 1

- كما أن الجمعيات الموجودة بمدينة القاهرة تتميز بتنوع خدماتها التي تشمل جميع مجالات التنمية.

- كما سيتم اختيار أحياء بمدينة القاهرة ذات مستوى اقتصادي واجتماعي متباين وذلك لكي يعكس الفوارق الاجتماعية المحيطة بالعمل التطوعي.

هذا وسيتم الحصول على بيانات هذه الدراسة عن طريق مجموعة متكاملة من الأدوات، تفرضها طبيعة الدراسة والمنهج المستخدم من ناحية، وأهداف الدراسة من ناحية أخرى. والأدوات هي:

- المقابلة الشخصية مع المشرفات على الجمعيات.

- الرجوع للمستندات الأصلية والوثائق الخاصة بهذه الجمعيات.

محتويات الدراسة

تنقسم الدراسة إلى عشرة فصول يشمل الفصل الأول منها مقدمة للبحث وينتهي بعرض لأهم الدراسات السابقة. ثم يتبعه الفصل الثاني وهو تحليل التاريخ الاجتماعي والسياسي للجمعيات الأهلية النسائية والتي بدأت في القرن التاسع عشر، ثم كان ميلادها وبذورها الأولى في السنوات الأولى من القرن العشرين، ثم تتبعت الحركة النسائية وتفاعلاتها مع الجمعيات الأهلية، والتي بدت القنوات الأساسية التي عبرت عنها المرأة عن قضاياها ومطالبها، وشاركت من خلالها في النضال القومي. في تلك الفترة (1923-1952) برز طرح مسالة المرأة في مصر في إطار القضايا والوطنية، وبروز خطاب اجتماعي وسياسي متنافس حول المرأة شاركت فيها الجمعيات النسائية وكانت ساحة رئيسية لها. ثم تم تحليل تطور دور الجمعيات النسائية في الفترة من (1952-1970)، والذي أسهمت فيه الدولة بالدور الرئيسي لتصيغ حدود الدور الذي يمكن لهذه الجمعيات أن تلعبه، وفرضت من جانبها محددات قانونية وسياسية عديدة عليها وصلت إلى حد تصفية الحركة النسائية وقنواتها، كما أبرزت الدراسة التناقض بين ما حققته السياسات الاجتماعية والاقتصادية، ذات التوجه الاشتراكي من إنجازات لدعم حقوق المرأة في التعليم والسياسة والعمل، وبين القمع الذي تعرضت له الحركة النسائية والجمعيات التي ارتبطت بها.

ويعرض الفصل الثالث البعد النظري للدراسة في ظل العولمة، وما يتبعه من زيادة درجة اندماج مصر مع الاقتصاد العالمي خلال ربع القرن الماضي والذي كان أحد المحددات الأساسية لدرجة ونمط التنمية البشرية في مصر، كما أن انتشار جمعيات المجتمع المدني هي نفسها نتيجة لتسارع قوى العولمة، ونموها هو رد الفعل الطبيعي والحتمي لنمو قوى العولمة. وهو يمثل القوى الموازنة الجديدة countervailing power الذي يعوض الانحسار الذي أصاب قوة الدولة.

 أما الفصل الرابع فهو يعطى خريطة العمل العام للمرأة المصرية في كل من البعد السياسي ودورها في المجالس النيابية والأحزاب السياسية وكذلك تمثيلها في النقابات المهنية واتحادات العمال.

ويناقش الفصل الخامس أنماط العمل الأهلي للمرأة ويبدأ بعرض لمنهج الدراسة واهم نتائج البحث الميداني، يطرح القضايا المتعلقة بالمرأة المصرية في الجمعيات الأهلية معتمدا على دليل الجمعيات الأهلية وهو أول بحث علمي منظم فيما يتعلق بالجمعيات النسائية، ويلقى باقي الفصل الضوء على الإجراءات المنهجية والتي انقسمت إلى قسمين:

 الأول منهج المسح الاجتماعي والتي تشمل أساليب البحث، واختيار عينة الدراسة، ووحدة التحليل، وإعداد أداة الدراسة (الاستبيان والمقابلة) وتجريب الاداه، وصعوبات العمل الميداني،

الثاني منهج دراسة حالة، وقد تم استخدامه على مستويين، أولها دراسة سبعة جمعيات دراسة مركزة وذلك عن طريق استخدام المنهج الوصفى لوصف الواقع الحالي للجمعيات قيد الدراسة والتعرف على أنواع الأنشطة التي تقدها الجمعيات ومصادر التمويل والعقبات التي تواجهها وكذلك دراسة بعض حالات المرأة المشاركة في العمل الأهلي للتعرف على الدور القيادي الذي تلعبه بعض السيدات في مجال العمل الأهلي.

ويتضح من الدراسة المسحية اهتمام غالبية جمعيات المرأة نحو تقديم الخدمات، خاصة في مجال الطفولة والأمومة. وان البعض منها الذي يسعى لمفهوم تنموي شامل مازال ينقصه اقتراب واضح ومحدد يربط بين قضايا المرأة والتنمية.

أما بالنسبة لقضية التمويل التي يناقشها الفصل السادس، فتؤكد الدراسة على حقيقة أن الجمعيات الأهلية في مصر تعانى من نقص في التمويل بشكل عام، وأن هناك عدم تكافؤ في فرص الحصول على كل من المعونات الأجنبية، والمعونات الحكومية، والتبرعات والهبات.

اتضح من الدراسة أن الجمعيات الدينية (الإسلامية والمسيحية) تأتى في مقدمة الجمعيات الأهلية التي لا تعانى نقص في التمويل نظراً لقدرتها على تعبئة مواردها.

أما بالنسبة لحقيقة الدور الحكومي، فقد ظهر تأثير العامل الخارجي على موقف الدولة من المنظمات الأهلية، بشكل واضح، بمناسبة انعقاد المؤتمرات الدولية، واتساقا مع الاهتمام العالمي بمشاركة المنظمات الأهلية ""كشريك في التنمية""، وقد انعكس موقف الدولة على الجمعيات النسائية، التي أصبحت تعتمد اعتمادا متزايدا على التمويل الأجنبي ويعتبر هو المصدر الوحيد لتمويل مشروعاتها سواء منها الدفاعية أو التنموية، فالدعم الحكومي تستأثر به جمعيات التنمية، كما أن التبرعات والهبات تذهب إلى الجمعيات الدينية، وبالتالي فالجمعيات النسائية تعتمد علي التمويل الأجنبي بشكل أساسي.

      والخلاصة أن التمويل الأجنبي وان كان يلقى قبولا متزايدا من الناحية العملية، إلا أنه مازال قضية خلاف لها محاذير للدرجة التي تجعل بعض المنظمات الأهلية ترفض التمويل الأجنبي رفضا مبدئياً اقتناعاً منها بأنه يحمل معه جدول أعمال لم تقرره هذه المنظمات وأنه بالتالي يمكن أن يؤثر على مصداقيتهم.

      أما الفصل السابع فيناقش الدوافع والعقبات التي تواجه المرأة المصرية، ويعرض نماذج ناجحة من المتطوعات في العمل الأهلي، واهم الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للمتطوعات، واهم أسباب ودوافع ومشكلات العمل الأهلي وتؤكد الدراسة محدودية مشاركة المرأة في العمل الأهلي، خاصة بين الأجيال الشابة، كما يتركز النشاط التطوعي في دوائر النخبة المثقفة، خاصة المنظمات الدفاعية التي تحصل على دعم مادي ومعنوي محدود من المجتمع.

      أما العوامل التي تؤدى إلى عدم مشاركة المرأة تتمثل في طبيعة التنشئة السياسية والثقافية والاجتماعية، خاصة على مستوى القاعدة الشعبية وعلى مستوى الشباب، كما أسهمت الظروف الاقتصادية الصعبة وكثرة أعباء المواطنين الاقتصادية، في احتكار الوقت بما لا يترك حيزاً للمشاركة التطوعية. كما أن التقاليد والعادات مازالت تلعب دورا كبيرا في تحجيم مساهمة المرأة في المجال العام وخاصة التطوعي، حيث يمكن لظروف الحاجة الاقتصادية أحياناً أن تقلل من أثر هذه التقاليد، إذا كانت هذه المساهمة تدر دخلا للمرأة، كما لوحظ عدم تقلص حجم المشاركة التطوعية للمرأة على المنظمات الأهلية الدينية. أما بالنسبة للمنظمات النسائية الأخرى، فقد أظهرت الدراسة أن مشاركة المرأة في العمل التطوعي فيها إنما هي مشاركة محدودة سواء من حيث عدد الجمعيات النسائية أو عدد العاملين بها من متطوعين وغير متطوعين. إن عملية التغيير التي تستهدفها الجمعيات النسائية خاصة التي تعمل في المجال الدفاعي لا ولن تتحقق في ضوء محدودية مشاركة المرأة.

       يناقش الفصل الثامن تفاعلات التي ترتبط بالمنظمات النسائية، وذلك في إطار علاقتها بين المنظمات التي يضمها القطاع ذاته، وكذلك علاقتها الجدلية بأطراف مجتمعية أخرى تتفاعل معها، مؤثرة فيها ومتأثرة بها، وتشمل هذه الأطراف الدولة، والفئات المستهدفة، والشبكات الإقليمية والدولية.

      وقد أظهرت الدراسة تفاعلا ضئيلا بين الجمعيات النسائية نفسها وبين الأطراف الأخرى، إن تجربة تشكيل شبكات خاصة بالمرأة جديدة إلى حد كبير في مصر، والجمعيات النسائية مازالت تتحسس الخطى لإيجاد الأشكال المناسبة للتعاون والتنسيق والاستمرار، فعلى الرغم من وجود هذه الشبكات إلا أن الجمعيات النسائية مازالت تعانى من مشكلة التعاون والتنسيق الفعال، إذ ترتبط الشبكات في معظم الأحيان بالإعداد لمؤتمرات أو لبرامج تدريبية محددة، ويكون ارتباط الجمعيات بالشبكة ارتباط وقتي ينتهي بانتهاء البرامج التدريبية، فمازالت الجمعيات النسائية تفتقد القدرة على توحيد الصفوف في تحديد الأهداف المشتركة، والتوافق حول جدول أعمال متميز لها.

      أما بالنسبة لموقف الحكومة من المنظمات الأهلية النسائية إنما هو موقف مزدوج، فمن ناحية ترغب الحكومة في تنشيط القطاع الأهلي النسائي، تحقيقاً لمصالح تراها مهمة ومن جهة أخرى، تستمر في السيطرة عليه بشكل يعوق تطوره. يختلف موقف الحكومة تبعا لنشاط ونوع الجمعيات، فالجمعيات ذات الدور التقليدي والخدمى خاصة في مجال الطفولة والأمومة، تكون على درجة عالية من الاندماج الوظيفي. بينما تعوق الدولة منظمات أخرى خاصة الدفاعية منها بناء على موقفها من السياسات العامة للدولة. فتقدم الحكومة كل المساعدات المالية والفنية للجمعيات العاملة في مجال التنمية والطفولة والأمومة، بينما تواجه المنظمات الدفاعية النسائية ومنظمات حقوق الإنسان.

      كما ناقش الفصل تفاعل الجمعيات النسائية مع الفئات المستفيدة المتمثلة في الفقراء والمعوقين والأيتام والمرأة والمجتمعات المحلية، ويمكننا أن نستخلص أن تفاعل الجمعيات مع الفئات المستفيدة لم يتجاوز بعد حدود دورها الرعائى والخدمى، وأنها مازالت بعيدة عن المشاركة الحقيقية إلا باعتبارها متلقية للمساعدة، وتواجه المنظمات الأهلية صعوبات في تحديد الفئات المستهدفة، وفى الوصول إليها، وفى توزيع خدماتها بشكل عادل. ويختلف وزن الصعوبات من منظمة إلى منظمة تبعا لنقص أو توافر التمويل. غير أن المنظمات النسائية نفسها يسودها المفهوم الرعائى والخدمى، دون المفهوم التعبوي الذي يعتمد على المبادرات الإبداعية الحرة والمنظمة للمواطنين.

      أما تفاعل الجمعيات النسائية مع القطاع الخاص، فهو يتفاوت تبعا لنوع هذه المنظمات، إذ تستأثر المنظمات الدينية بالقدر الأعظم من التبرعات ويلعب رجال الأعمال والمؤسسات المالية دورا مهما في دعمها، بينما ينخفض هذا الدعم للجمعيات الأخرى خاصة الجمعيات النسائية ذات الطابع الدفاعي والتي تجد تدعيما اكثر من الجهات الأجنبية المانحة.

      أما تفاعل الجمعيات النسائية مع الشبكات العالمية والإقليمية فهو يعد أحد الانعكاسات المهمة للعولمة على قضيا المرأة. إن التنسيق بين المنظمات النسائية العربية يرتبط بعدد من المتغيرات، بعضها يتعلق بالظروف السياسية والاقتصادية والثقافية للدول العربية وكذلك بمدى تطور ونمو العمل الأهلي. وعلى الرغم من وجود الكثير من الاتحادات والشبكات الإقليمية، أظهرت الدراسات السابقة أن انخراط المنظمات الأهلية في الشبكة الدولية اكثر فاعلية وقوة من انخراطها في شبكات إقليمية، كما تظهر الدراسات أيضا أن الكثير من الجمعيات المحلية لا تعي أصلا بوجود هذه الشبكات وان الكثير منهم غير منضم لهذه التنظيمات مما يشير إلى ضعف اثر الشبكات العربية إلى درجة عدم العلم بها من ناحية، أو إلى القصور المعرفي لدى أعضاء المنظمات الأهلية بالحدود التنظيمية المباشرة لمجال عملهم.

نتائج الدراسة.

إن دراسة الجمعيات الأهلية النسائية لابد أن يتم من خلال منظور التاريخ الاجتماعي السياسي وبالتالي فان التطرق لهذا الميدان البحثي ينبغي أن يكون في سيق ثقافي وسياسي محدد، وهذا ما سعت إليه الدراسة في قسمها الأول من تحليل التاريخ الاجتماعي للجمعيات النسائية التي بدت في نهاية القرن التاسع عشر، ثم كان ميلادها وبذورها الأولى في القرن العشرين، وتناولت الدراسة الحركة النسائية وتفاعلها مع الجمعيات الأهلية، التي بدت القنوات الأساسية التي عبرت عنها المرأة عن قضاياها ومطالبهان وشاركت من خلالها في النضال القومي في تلك الفترة (1923-1952) برز طرح مسألة المرأة في مصر في إطار القضايا الوطنية، وبرز خطاب اجتماعي وسياسي متنافس حول المرأة (ديني وليبرالي واشتراكي)، وكانت الجمعيات النسائية الساحة الرئيسية لهذا الخطاب،، أما في الفترة ما بعد 1952 فقد أسهمت فيه الدولة بالدور الرئيسي لتصيغ حدود الدور الذي يمكن لهذه الجمعيات ولباقي مؤسسات المجتمع المدني أن تلعبه، فقد اتسمت هذه الفترة بالتناقض بين ما حققته السياسات الاجتماعية والاقتصادية ذات التوجه الاشتراكي، من إنجازات لدعم حقوق المرأة في التعليم والعمل والسياسة، وبين القمع الذي تعرضت له الجمعيات النسائية والجمعيات التي ارتبطت بها.

      ثم سعت الدراسة إلى تحليل الفترة الحالية من خلال إعطاء صورة عن العمل العام للمرأة المصرية في التعليم والمشاركة السياسية والنقابية، وذلك في ضوء الاتجاه الحالي نحو سياسات تحرير الاقتصادي وتدعيم آليات السوق، وتعددية حزبية مقيدة، وهامش أكبر نسبيا من الحريات، وقد أعطت الدراسة صورة مفصلة عن كل القضايا التي تتعلق بمشاركة المرأة في الجمعيات الأهلية من حيث الحجم والعضوية والعدد الإجمالي ونوعية النشاط ومصادر التمويل التي تعتمد عليها جمعيات المرأة، وكذلك الدوافع والعقبات من المنظور الاجتماعي وفى إطار الثقافة المدنية، وأخيرا تفاعلات الجمعيات النسائية مع الأطراف المجتمعية المختلفة أهمها الدولة والشبكات العالمية والإقليمية، وبالتالي يمكن للدراسة أن تستخلص النتائج على النحو التالي:

- إن عضوية المرأة في الجمعيات الأهلية تتحدد بداية بنمط نشاط الجمعية فهي ترتفع في الأنماط التقليدية التي تنشط في مجال الطفولة والأمومة وتنظيم الأسرة، كما تتحدد العضوية بالتوزيع الجغرافي وهو عامل أساسي يؤثر على ارتفاع أو انخفاض عضوية المرأة في الجمعيات الأهلية، فالبيانات المتوافرة تشير إلى اتجاه هذه العضوية إلى الارتفاع في القاهرة والمدن الكبرى (مثل الإسكندرية) عنها في المحافظات، كما تشير هذه الدراسة إلى وجود توزيع جغرافي غير متوازن داخل القاهرة، فتنتشر الجمعيات النسائية في الأحياء الغنية عنها في الأحياء الفقيرة.

-هناك نشاط محدود بالدور الدفاعي الذي تقوم به جمعيات المرأة، وتمثل قضايا المرأة إحدى مجالات اهتمامه، إذ تنشط هذه الجمعيات في الدفاع عن حقوق الإنسان والمعاقين والطفل والبيئة بشكل عام، وتعتبر هذه مجالات حديثة تشارك فيها النساء المهنيات وهى تشكل مدخلا للمشاركة في العمل العام والحياة السياسية.

- إن الجمعيات الأهلية النسائية كان لها في مختلف الفترات التاريخية دور أصيل بمجال الطفولة والأمومة والعمل الخيري، إلا أن هذا لم يمنعها من القيام بأدوار دفاعية عن حقوق ومطالب المرأة، ولم يمنعها من تبنى جدول أعمال أوسع بكثير من العمل الخيري والأمومة والطفولة، وإذا كان ما سبق قد ميز النصف الأول من القرن العشرين وحتى نهاية العهد الليبرالي(1952)، فان جمعيات المرأة قد افتقدت هذا الدور الدفاعي وأجنده عمل مستقلة عن الدولة، ولكن حين سنحت لها الفرصة بعد سياسات الانفتاح الاقتصادي (1970)، تعثرت في ذلك وركز اغلبها على الخدمات في مجال الأمومة والطفولة، وأن البعض منها الذي يسعى لمفهوم تنموي شامل ينقصه اقتراب واضح ومحدد يربط بين قضايا المرأة والتنمية.

ويؤكد ذلك الافتراض الذي تم اختباره ففي عدة دول في العالم، أن مجال الأمومة والطفولة هو المجال الحيوي للمنظمات النسائية في العالم، وأنه مجال تقليدي ثابت على أجنده أعمال المرأة في المنظمات التطوعية التي تؤسسها أو تشارك فيها. إن هذا المجال التقليدي يؤثر سلبا على اهتمام منظمات المرأة بقضايا التمايز أو Gender Issues وقضايا الدفاع Advocacy

- تؤكد هذه الدراسة وجود تفاعل قوى بين الجمعيات النسائية وبين الدولة، فالجمعيات النسائية بدت في فترة من الفترات تناضل من اجل قضايا المرأة، ومن أجل التحرر القومي والاستقلال. أما في لحظات أخرى كانت في صف واحد مع الدولة، وفى لحظات أخرى في صراع معها، وأحيانا تتفاوض معها وتدفع من أجل إصدار قرار أو تغيير سياسات لصالح قضاياها. وفى لحظات أخرى بدت الجمعيات النسائية مدمجة في سياسات الدواة، توظف أدواتها لخدمتها، أما في الفترة الحالية فهي تبدو محدودة الفاعلية، تفتقد التضامن، و"" تبحث عن دور""، ويصعب تمييز جدول أعمال متميز ومستقل لقضايا المرأة المصرية. إن هذه الفترات المختلفة تؤكد التفاعل بين السياق السياسي والاجتماعي القائم وأدوار ومسئوليات الجمعيات النسائية على وجه الخصوص.

      وتظهر دراسة تفاعل منظمات المرأة والدولة في مصر أن منظمات المرأة عموما تتمتع بسلطة وقوة اكبر في المجتمعات التي تشهد لا مركزية عنها في تلك التي تشهد نظما مركزية قوية، ففي الحالة الأخيرة تتوافر بيروقراطية قوية، وحكومات قوية تكون الطرف الرئيسي المسئول عن تقديم الخدمات. إن فاعلية تأثير منظمات المرأة يختلف باختلاف النظم السياسية، وأن المرأة قد تستخدم مشاركتها في منظمات تطوعية كأداة للتعيين أو الانتخاب في المؤسسات السياسية.

- إن مشاركة المرأة في التنظيمات التطوعية (بما في ذلك الجمعيات الدينية) يمكن المرأة من بناء ""هياكل قوة موازية"" تكسبها خاصة المرأة في الطبقات العليا والمتوسطة، سلطة اجتماعية واقتصادية وسياسية موازية للرجال. فمن الناحية التاريخية، كانت الجمعيات الأهلية هي المجال الذي يولد ويفرز قيادات نسائية تقود الحركة النسائية، وهذه القيادات كان لها دور سياسي تلعبه من خلال الجمعيات التي بدت هياكل قوة متوازية مع المؤسسات السياسية القائمة (الأحزاب السياسية)، وفى الفترة الحالية نلحظ أن الجمعيات بالنسبة للمرأة هي مدخل للعمل العام وللمشاركة السياسية، فكثير من النساء اللائى رشحن أنفسهن في الانتخابات البرلمانية ينتظمن في جمعيات أهلية. إذن المدخل للعمل السياسي بالنسبة للمرأة في أحيانا كثيرة خاصة في العشر سنوات الأخيرة كانت الجمعيات الأهلية، وحتى بالنسبة لنشاط المرأة غير الرسمي في الجمعيات الدينية هو أيضا قناة لخوض معترك الحياة العامة والخروج من سيطرة الرجال. ويقودنا ذلك إلى القول أن العمل الأهلي بالنسبة للمرأة هو قناة لتحقيق قوة موازية سواء على المستوى الاجتماعي أو السياسي فهي يعوض محدودية القنوات الأخرى المفتوحة بالنسبة للمرأة.

-إن مسألة التمويل تمثل قضية محورية بالنسبة لدراسات المرأة، إن مدى اعتماد المنظمات النسائية على التمويل العام من ميزانية الدولة، يؤثر على حرية هذه المنظمات في ممارسة نشاطها خاصة ما يتعلق بالأدوار الدفاعية ويجعلها تركز على الخدمات التي تكمل أنشطة الدولة، كما تدمج هذه الجمعيات وظيفيا في الدولة، إن الجمعيات لنسائية في بداية نشأتها نجحت في تنمية مواردها بعيدا عن الدولة واعتمدت على تبرعات الشرائح الغنية الأرستقراطية، وفى بعض الحالات كان مصدر التمويل الرئيسي هي سيدة أو قلة من السيدات اللائى أسسن الجمعية. وقامت الجمعيات في تلك الفترة بتنظيم معارض كبرى، وحفلات لتوجيه العائد مها إلى دعم أنشطة الجمعية، كما كان رجال الأعمال والرأسماليون يقدمون التبرعات، ومن ثم فقد تحقق لها قدر كبير من الاستقلال، بالإضافة إلى تحقيق التنوع في مصادر الدخل، وهو الأمر الذي ضمن لها صياغة مستقلة لجدول أعمالها، خاصة فيما يتعلق بالدور الدفاعي، والضغط على صانعي السياسات من أجل التغيير. أما في الفترة الحالية، فان دعم الدولة لمشروعات جمعيات المرأة التي تعمل في المجال التقليدي من تقديم خدمات ورعاية الأمومة والطفولة، يشكل مصدراً رئيسياً، ورغم محدودية هذا المصدر، إلا أن دعم الدولة للجمعيات أدى إلى تبنى الأخيرة جدول أعمال يتفق مع سياسات الدولة، ويجعل من الصعب عليها التحرك في اتجاه مغاير للدولة.

      أما المنظمات الدفاعية النسائية فتواجه أزمة حقيقية تدبير في تمويل أنشطتها ويعتبر أحد المحددات الأساسية لها، إذ أن الدعم الحكومي يتجه إلى المنظمات التي تتفق مع أولويات وخطط الحكومة، كما أن المنظمات الدفاعية لا تقدم خدمات تدر عليها بعائد، كما أن تقاليد العطاء لا يسير في صالح هذه المنظمات، فالمانحون يفضلون العمل الخيري والديني والإنساني، وبالتالي يصبح التمويل الأجنبي هو المصدر الرئيسي المتاح أمام الغالبية العظمى من المنظمات النسائية الدفاعية التي في الغالب تدعمها مؤسسات التمويل الأجنبية، ويعتبر هو الخيار الوحيد المتاح أمامها، وهذا بالطبع يثير العديد من القضايا من أهمها أهداف المنظمات المانحة وقدرتها على إملاء شروطها على المنظمات الأهلية النسائية، كما أن الاعتماد على التمويل الخارجي يترتب عليه إشكالية استمرارية المشروعات Sustainability التي تتبناها المنظمة، وأيضا قدرتها على التخطيط لعدة سنوات في المستقبل، فهناك صعوبات لتخطيط المستقبل طالما أن التخطيط غير مستقر وغير مستمر.

      وبالتالي يمكن القول أنه من الصعب الادعاء بأن هناك حركة نسائية حاليا في مصر، تعتمد على الجمعيات الأهلية كآليات رئيسية للتعبير عنها. إن أهم أبعاد القصور في عمل الجمعيات الأهلية النسائية في الفترة الحالية هو انخفاض التضامن بين هذه الجمعيات، وغياب شبكة اتصال حديثة تحقق التعاون والتنسيق بينها، وتسهم في بناء قدرات هذه الجمعيات، لقد تحقق جزئيا بعض هذا التطور في هذا الاتجاه، لكنه ارتبط بحدث عالمي محدد، وليس بدافع داخلي مصري، فقد تم بناء شبكة للجمعيات النسائية في إطار التحضير للمؤتمر العالمي للسكان والتنمية بالقاهرة عام 1994، كم تحقق التضامن بين المنظمات النسائية في إطار الاستعداد للمؤتمر العالمي للمرأة في بكين 1995، حيث قامت رابطة المرأة العربية بجهود طيبة لبناء التوافق ودعم قدرات الجمعيات للمشاركة في المؤتمر والاتفاق حول وجهة نظر الجمعيات الأهلية المصرية في قضايا المرأة والتنمية.

      ولكن حدث إجهاض لهذه المحاولات التي استمرت فترة وجيزة فإذا كان انبعاث الحماس لهذا التضامن مصدره داخلي وغير مرتبط بالاستعداد لحدث، فان ذلك سيضمن نوع من الاستمرارية لشبكة اتصال قوية بين الجمعيات النسائية، قد يكون مصدرا لحركة نسائية تقوم بدور إيجابي للتأثير على السياسات العمة، فهناك حاجة ماسة إلى بناء توافق في شكل شبكة تتفق حول أجنده عمل للمرأة المصرية في الجمعيات الأهلية

      فحتى هذه اللحظة لا يوجد حضورا قويا وفعالا للنساء في الحياة العامة، إن الحركة النسائية بالمفهوم العلمي للحركات الاجتماعية والتي تستمد قوتها من مدى عمقها وجذورها بين أفراد المجتمع بمختلف انتماءاتهم الطبقية، وتندفع بقوة نحو محيطها الجغرافي، وانتشارها عبر أقاليم لمجتمع، وهو ما كان ينطبق على الحركة النسائية في مصر في الربع الأول من القرن العشرين، حيث كانت وقتئذ توجد حركة اجتماعية نسائية تتميز ببلورة واضحة لقضاياها ولديها جدول أعمال حقيقي يشمل حقها في العمل، والتعبير فضلا عن مطالبتها بفتح ملف أحوال الشخصية، وغيره من القضايا التي مازالت مطروحة حتى الآن.

أما الآن فالحركة النسائية لا وجود لها إلا عند المستوى القيادي الرئاسي، فالساحة الاجتماعية خالية من أي حركة نسائية والجمعيات الأهلية النسائية لم تنجح في إيجاد شبكة قومية للجمعيات النسائية قادرة على طرح وبلورة قضاياها بأدوات واضحة.

      إن واقع الجمعيات الأهلية النسائية، يشير إلى تراجع عام في أداء الحركة النسائية وأن هذا التراجع قد يستمر طالما أن الجمعيات النسائية التي تعتبر المجال الحيوي لنشاط المرأة في الحياة العامة، تعانى هياكلها من خلل كبير، فالحركة النسائية طوال تاريخها كانت من خلال الجمعيات الأهلية. والنتائج الحالية تشير إلى تراجع واضح بين مشاركة النساء والرجال وممارسة الديمقراطية الداخلية، ومستوى التوزيع الجغرافي، وحجم الجمعيات من حيث عدد الأعضاء في الجمعيـات العمومية، والقدرة على تعبئـة التمويل الذاتي، والإقبال على التطوع خاصة بين الأجيال الشابة.

      إن قيم السلبية، والانكفاء على الحياة الخاصة، والابتعاد عن الهم الاجتماعي العام، عوامل ساهمت في تراجع النشاط النسائي، وهو ما يرجع بالأساس إلى مناخ التنشئة الاجتماعية سواء على مستوى الأسرة والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام.

 

      وفى النهاية تؤكد هذه الملاحظات على أن إحياء الدور القومي والدور الدفاعي لجمعيات المرأة في مصر، يتوقف بشكل أساسي على قدرة هذه الجمعيات وقيادتها على تحقيق التضامن والتنسيق فيما بينها وتعبئة مصادر تمويل مستقلة لها، كما يتوقف على قدرتها على تحقيق التوافق فيما بينها لصيغة أولويات قضايا المرأة التي ينبغي أن تتوجه إليها في القرن الحادي والعشرين.

بيانات الكاتب

مركز النظم للدراسات  وخدمات البحث العلمي مركز النظم للدراسات وخدمات البحث العلمي يُعد مركز النظم للدراسات وخدمات البحث العلمي أحد المراكز العلمية المتميزة في مجاله لما يقدمه من خدمات راقية تغطي كافة احتياجات طلاب وطالبات الدراسات العليا ، حيث يضم المركز بين جنباته كفاءات علمية عالية تم اختيارها بدقة وعناية لتقديم أفضل الخدمات الممكنة، فمنذ تأسيسه عام 1421هـ وهو يسير بخطوات واثقة لمساعدة طلاب الدراسات العليا، ومد يد العون لهم، في كافة المجالات والتخصصات ، من مختلف المراحل الماجستير والدكتوراه.
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة

علامات مرتبطة:

لا توجد علامات لهذا الموضوع

من اختيارات المحررين

فيما يلي استعراض أبرز خدمات المركز .. ولخدمات أخرى لم تذكر.. فضلا التواصل عبر الايميل nodom@alnodom.com.sa v  عنوان الرسالة v توفير المراجع والدراسات السابقة باللغة العربية والأجنبية vالاحصاء والتحليل vالترجمة العلمية vالنسخ والطباعة vالمراجعة ... تفاصيل أكثر
اسم الباحث: عبدالرحمن بن عبدالعزيز بن إبراهيم العمير. اسم المشرف: د. أحمد بن عبدالعزيز الرومي. اسم الجامعة: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية اسم الكلية: كلية العلوم الاجتماعية – قسم أصول التربية – تخصص التربية الإسلامية. العام الجامعي: 1438ه- 1439ه، الموافق 2017م - 2018م ... تفاصيل أكثر
مهند بن عبدالرحمن بن عبدالله القصيِّر- المرحلة: ماجستير == الجامعة: الإمام محمد بن سعود الإسلامية == الكلية: أصول الدين == القسم: العقيدة والمذاهب المعاصرة ==1439هـ ... تفاصيل أكثر
مهند بن عبدالرحمن بن عبدالله القصيِّر- المرحلة: ماجستير == الجامعة: الإمام محمد بن سعود الإسلامية == الكلية: أصول الدين == القسم: العقيدة والمذاهب المعاصرة ==1439هـ ... تفاصيل أكثر
رسالة قدمت من الطالبة: أروى بنت علي أخضر لنيل درجة الدكتوراه من قسم الإدارة التربية - كلية التربية - جامعة الملك سعود - 2012م ... تفاصيل أكثر

من المقالات الجديدة

التدريب التشاركي القائم علي الويب

دراسة من إعداد / مؤسسة الباحث للاستشارات البحثية بالقاهرة (مجموعة من الأكاديميين المتخصصين في مجال العلوم الإنسانية) إشراف / د. السعيد مبروك ابراهيم

تعارض النصين العامين: دراسة تطبيقية

بحث لنيل درجة الماجستير في الآداب تخصص: (الدراسات الإسلامية – أصول الفقه) السيد عبد الله السيد الجبان إشراف الأستاذ الدكتور الدكتور محمد أحمد شامية مسعود إبراهيم حسن أستاذ أصول الفقه المساعد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة جامعة الأزهر الشريف مدرس الأدب الفارسي كلية الآداب جامعة كفر الشيخ 2018

أشكال النحت والأرساب في هضبة البطنان /ليبيا

رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الجغرافيا الطبيعية إعداد الطالب الدامي هلال لامين بوحويش جامعة كفر الشيخ مصر

“أثر استخدام فيديو تعليمي في اكتساب المفاهيم الحاسوبية لدى طلبة كلية العلوم التربوية في الجامعة الأردنية”

اسم الباحثة:هناء بنت محمد أبا الخيل..الجامعة الأردنية..الكلية العلوم التربوية..القسم المناهج والتدريس/ تخصص تكنولوجيا التعليم..ماجستير..2015 / 2014

“قواعد إدارية تربوية مقترحة لاتخاذ القرار الرشيد في المدارس الخاصة في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية

اسم الباحثة هناء بنت محمد أبا الخيل..الجامعة الأردنية..الكلية العلوم التربوية..القسم الإدارة التربوية..دكتوراه..2017 / 2018

خدماتنا

فيما يلي استعراض أبرز خدمات المركز .. ولخدمات أخرى لم تذكر.. فضلا التواصل عبر الايميل nodom@alnodom.com.sa v  عنوان الرسالة v توفير المراجع والدراسات السابقة باللغة العربية والأجنبية vالاحصاء والتحليل vالترجمة العلمية vالنسخ والطباعة vالمراجعة

ممارسات حقوق الإنسان في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وتطبيقاتها التربوية في المجتمع

اسم الباحث: عبدالرحمن بن عبدالعزيز بن إبراهيم العمير. اسم المشرف: د. أحمد بن عبدالعزيز الرومي. اسم الجامعة: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية اسم الكلية: كلية العلوم الاجتماعية – قسم أصول التربية – تخصص التربية الإسلامية. العام الجامعي: 1438ه- 1439ه، الموافق 2017م - 2018م

المعارضون للصهيونية من اليهود

مهند بن عبدالرحمن بن عبدالله القصيِّر- المرحلة: ماجستير == الجامعة: الإمام محمد بن سعود الإسلامية == الكلية: أصول الدين == القسم: العقيدة والمذاهب المعاصرة ==1439هـ

المعارضون للصهيونية من اليهود

مهند بن عبدالرحمن بن عبدالله القصيِّر- المرحلة: ماجستير == الجامعة: الإمام محمد بن سعود الإسلامية == الكلية: أصول الدين == القسم: العقيدة والمذاهب المعاصرة ==1439هـ

المدرسة المنتجة في التعليم العام بالمملكة العربية السعودية : مقترح تطبيقي

رسالة قدمت من الطالبة: أروى بنت علي أخضر لنيل درجة الدكتوراه من قسم الإدارة التربية - كلية التربية - جامعة الملك سعود - 2012م
Powered by ePublisher 2011