الرئيسية | الملخصات الجامعية | الشخصية الاعتبارية في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي

الشخصية الاعتبارية في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي

حجم الخط: Decrease font Decrease font Enlarge font

سيد عبده بكر عثمان القاهرة دار العلوم الشريعة الإسلامية دكتوراه 2007

فإن دراسة العلوم الشرعية من أفضل القربات، وأجل الطاعات، وقد وفقني الله لأن أسلك هذا الطريق، بغير حول مني ولا قوة وهو الموفق والمعين.

ولما وفقني للحصول على درجة الماجستير من كلية دار العلوم ـ قسم الشريعة الإسلامية، وجاء وقت تسجيل موضوع لنيل درجة الدكتوراه، قمت باستشارات عدة لكثير من أساتذتي وشيوخي، كما قمت بإعداد أكثر من خطة في عدة موضوعات، فاختار أستاذنا الدكتور محمد بلتاجي ـ رحمه الله ـ رئيس قسم الشريعة الإسلامية في ذلك الوقت موضوع الشخصية الاعتبارية ونصحني بالقراءة فيه وبعمل خطة مفصلة تبين المنهج الذي يمكن أن يدرس به هذا الموضوع.

ومع أن الموضوع راق لي في بداية الأمر وصادف رغبة في نفسي إلا أني هبته كثيرًا لما فيه من تشعب واختلاف، خاصة أن أستاذنا الدكتور بلتاجي ـ رحمه الله ـ أصر أن تكون الدراسة مقارنة بالقانون، ثم استشرت أستاذي وشيخي الدكتور علي جمعة ـ مفتي الديار المصرية ـ فشجعني ونبهني إلى أهمية الموضوع وخطورته، كما أمدني ببعض البحوث الخاصة بالموضوع من مكتبته الخاصة فجزاه الله خيرًا.

وتأتي أهمية موضوع الشخصية الاعتبارية مما تنهض به من أعباء جسيمة يعجز غيرها من الأشخاص الطبيعيين عن القيام بها، في نفس الوقت يمكن أن تكون مصدرًا للجريمة، أو الانحراف أو الخطورة مما يشكل تهديدًا على أمن وسلامة المجتمع، وذلك بسبب طبيعة الشخص الاعتباري، وطبيعة النشاط المنوط به وما لديه من إمكانيات وقدرات ضخمة.

وحسبنا الإشارة إلى ظاهرة الشركات الوهمية التي لا يراد منها إلا تشغيل وإدارة عجلة النصوص والأحكام القانونية المرتبطة بفكرة الشخصية الاعتبارية وفي مقدمتها تحديد مسئولية الشريك الذي يتوارى تمامًا خلف ستار هذه الشخصية، تاركًا الدائنين في كثير من الأحيان مع مدينهم الوهمي الذي يقيم حاجزًا قانونيًا بينهم وبين مدينهم الحقيقي.

وإذا كان هذا هو الشأن بصدد تحديد المسئولية، فإن صور الغش والتحايل قد تصاحب استخدام النتائج المرتبطة بهذه النظرية، الأمر الذي لفت نظر القضاء والفقه وكذا العلماء الشرعيين، وأدى إلى نشأة اتجاه قانوني يسعى لمواجهة هذه الصور، ومعالجة ما ترتبه من أضرار، أو الحيلولة دون وقوعها ابتداء.

ولا جدال في أنه لا يمكن لأحد أن ينكر أهمية الشخصية الاعتبارية في عصرنا الحاضر، الذي مست فيه الحاجة إلى وجود كيانات سياسية، واقتصادية، واجتماعية لا يمكن للحياة المعاصرة أن تقوم بدونها، ولا يتصور لأي مجتمع غنى عنها، خاصة أن الإنسان الفرد بقدراته المتواضعة، ووجوده المحدود، وعمره القصير غير قادر على تحقيق ـ ولو جزء قليل ـ مما توفره تلك الكيانات الهائلة، لحاضر حياته ومستقبل أيامه والدخول في علاقات دولية متكافئة ـ في تلك القرية الصغيرة المسماة بالأرض ـ تضمن له وجودًا مقدرًا في وطنه، واحترامًا متبادلاً على أرضه، وبعد أن أصبحت تلك الكيانات الاعتبارية ظاهرة حضارية، وسمة من سمات العصر.

كما أن الحكم على الأساليب الاستثمارية الحديثة ـ وهي في الأعم الأغلب تمارس نشاطها في إطار الشخصية الاعتبارية ـ ينبغي أن ينبثق عن اجتهاد معاصر قائم على مراعاة مدى تحقق مقاصد الشرع منها، بحيث إذا ألفينا الأسلوب الاستثماري الذي يمارسه هذا الشخص الاعتباري أو ذاك غير متعارض مع هذه المقاصد ومحققًا لها، عندئذ يعتبر ذلك الأسلوب مشروعًا وحلالاً، ولا ضير ألا يكون ذلك الأسلوب مشهورًا أو مغمورًا عند الفقهاء الأقدمين، ما دام لا يتعارض مع مقاصد الشرع، لذا يجب النظر إلى الوسائل الاستثمارية بوصفها وسائل ظرفية ذات تأثر بعاملي الزمان والمكان، وبالتالي فإنها لا ينبغي لها أن تكون ثابتة أو خالدة، بل هي تتأثر من حيث فعاليتها، وعدم فعاليتها بهذين العاملين، وعليه فليس من المقبول في شيء أن تظل ثمة دعوات إلى إحياء الوسائل الاستثمارية القديمة في صورتها التقليدية؛ لأنها في معظمها قائمة على الاعتبار الشخصي دون النظر إلى أثر الشخصية الاعتبارية في هذه العلاقة، لذا كان البحث في الشخصية الاعتبارية وخصائصها ومقوماتها ذا أثر فعال في تغير الأحكام الشرعية.

وفي الفقه الإسلامي تتخذ أهمية دراسة هذا الموضوع أبعادًا أخرى؛ حيث حدث خلاف كبير حول وجود هذا الشخص الاعتباري في الفقه الإسلامي حتى قال بعضهم ـ د/ عيسى عبده إن مفهوم الشخص الاعتباري قد ظهر في الفلسفة القانونية الوضعية، وأن التفكير الفقهي الإسلامي قد اضطر إلى الاعتراف به تأثرًا بهذه الفلسفة لأسباب عملية بعد ظهور المشروعات الضخمة والمؤسسات المالية الكبيرة"" (العقود الشرعية الحاكمة للمعاملات المالية ص25).

ويدل عموم المبادئ الفقهية على اختصاص الإنسان بالأهلية؛ حيث لا تثبت لغير الإنسان من الحيوانات والجمادات ذمة ولا أهلية وجوب؛ لأن مناط هذه الذمة هو الإنسان، بناء على ذلك فإن الجهات والمؤسسات المختلفة ـ كالمساجد، والمدارس، والأوقاف، وبيت المال، ومؤسسة القضاء ـ كلها ليست أهلاً للتمليك والتملك، وقد صرح الفقهاء ـ الحنفية خاصة ـ بأن الوقف لا ذمة له؛ ففي (العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية) ص202 يقول ابن عابدين: ""المصرح به أن الوقف لا ذمة له، وأن الاستدانة من القيم لا تثبت الدين في الوقف إذ لا ذمة له، ولا يثبت الدين إلا على القيم، ويرجع به على الوقف، وتقوم ورثته مقامه في الرجوع"".

وفي (البحر الرائق لابن نجيم) ج5، ص226: ""إذا احتاجت الصدقة إلى العمارة وليس في يد القيم ما يعمرها، فليس له أن يستدين عليها؛ لأن الدين لا يجب ابتداء إلا في الذمة، وليس للوقف ذمة"".

ومع ذلك نجد ابن نجيم نفسه يقول بعدم بطلان الإجارة بموت متولي الوقف ـ رغم أنها تبطل عند الحنفية بموت أحد المتعاقدين ـ وهو ما يدل على أن المؤجر ليس هو المتولي إنما هو الوقف نفسه، غاية الأمر أن المتولي باشر الإجارة نيابة عن الوقف كوصي اليتيم، يقول: "" أجر القيمُ ثم عُزِل، ونُصِّب قيمٌ آخرُ فقيل: أخذ الأجرة للمعزول، والأصح أنه للمنصوب؛ لأن المعزول أجَّرها للوقف لا لنفسه"" البحر الرائق، ج5، ص259.

كما أن المرحوم سيد عبد الله حسين في كتابه (المقارنات التشريعية) ج1، ص78: ""لا يرى أن الفقه الإسلامي قد اعترف للشركات على وجه الخصوص بشخصية مستقلة عن شخصية المشتركين فيها، ويجب أخذ إذنهم في القرض والاقتراض، أو تفويضهم ذلك لمدير العمل أو التجارة، وإلا كان التزام أحد الشركاء عن سائرهم غير واجب في حقهم"".

ومع ذلك، ""فإن بعض أحكام الفقه في المشاركات لا تفهم بوضوح إلا بالتسليم بالشخصية الاعتبارية للشركة أو المضاربة"" (النظام المصرفي، د/ محمد سراج، ص58).

ومن ناحية أخرى فإن الواقف حين تبرع بوقفه، يتبادر إلى الذهن هذا السؤال: من المالك للعين الموقوفة؟ أهو الواقف وهو ممنوع من التصرف فيها؟ أم الموقوف عليهم؟ أم الوقف نفسه؟ أم أنها سائبة، والسائبة ممنوعة في الإسلام؟

وهذا ليس خاصًا بالوقف بل في النظام الإداري نفسه سواء الإسلامي أو الوضعي، حيث وجد مال له مصادر شتى من ضرائب، ورسوم، وفرائض مختلفة، وفي الفقه الإسلامي ـ خراج وجزية... إلخ، ومخصص لإدارة المصالح العمومية، أو له إنفاق مخصوص في الفقه الإسلامي. من المالك لهذا المال؟

ومن الثابت فقهًا، وقانونًا أنه ليس ملكًا للحكام والولاة، والسائبة ممنوعة كما سبق، وتأتي أهمية هذه الدراسة من تحقيق القول في مثل هذه المسائل وغيرها.

أضف إلى ذلك هذا السؤال المهم أيضًا وهو: هل تختلف الأحكام الشرعية باختلاف الشخصية الطبيعية والاعتبارية، وإن كانت تختلف فما الضوابط الحاكمة لهذا الاختلاف، وما القواعد الضابطة لمجالاته وخطواته، حيث تمثل الإجابة عن هذه الأسئلة منهجًا قويمًا يمكننا أن نخرج منه بفوائد لتطبيق الشريعة الإسلامية في عصرنا الحاضر ـ المختلف كل الاختلاف عن العصور السابقة ـ في إطار مذاهب سلفنا الصالح، ولا يخفى ما في هذا الأمر من أهمية.

ولا أدعي أني أول من طرق هذا الباب فقد سبقتني إلى ذلك عدة دراسات سواء في المجال الشرعي أو القانوني، وهو ما أود الإشارة إليه في السطور التالية.

الدراسات السابقة:

 

1-            افتراض الشخصية؛ للدكتور عبد الله مبروك النجار، الأستاذ بجامعة الأزهر ـ طبعة دار النهضة العربية 1996م، وهذه الدراسة اتسمت بالعمومية والتركيز على الجانب القانوني كما أنها خلت تمامًا من الحديث على بعض الأشخاص الاعتبارية والتي نصت عليها المادة 52 مدني وذلك كالجمعيات والمؤسسات الخاصة وغيرها، كما أن الحديث عن الشركات والوقف وهما من أهم الأشخاص الاعتبارية جاء مبتسرًا جدًا في حدود أربع صفحات لكل منها كما أنه تبنى نظرية المجاز فجاءت كثير من نتائجه متناقضة.

2-            الشخصية الاعتبارية في الفقه الإسلامي؛ د/ أحمد علي عبد الله، القاضي بالمحاكم الشرعية السودانية، ومدير إدارة الفتوى والبحوث، بنك التضامن الإسلامي الخرطوم ـ طبعة الدار السودانية للكتب بدون تاريخ، ورغم جودة هذه الدراسة إلا أنها انطلقت من تبني نظرية المجاز في مجال الشخصية الاعتبارية، لذا جاءت نتائجها غير دقيقة؛ من ذلك أنه رفض تمامًا"

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بيانات الكاتب

مركز النظم للدراسات  وخدمات البحث العلمي مركز النظم للدراسات وخدمات البحث العلمي يُعد مركز النظم للدراسات وخدمات البحث العلمي أحد المراكز العلمية المتميزة في مجاله لما يقدمه من خدمات راقية تغطي كافة احتياجات طلاب وطالبات الدراسات العليا ، حيث يضم المركز بين جنباته كفاءات علمية عالية تم اختيارها بدقة وعناية لتقديم أفضل الخدمات الممكنة، فمنذ تأسيسه عام 1421هـ وهو يسير بخطوات واثقة لمساعدة طلاب الدراسات العليا، ومد يد العون لهم، في كافة المجالات والتخصصات ، من مختلف المراحل الماجستير والدكتوراه.
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة

علامات مرتبطة:

لا توجد علامات لهذا الموضوع

من اختيارات المحررين

مها عبدالكريم عرنوس مشاقبة الكلية:كلية العلوم التربوية القسم:المناهج والتدريس/العلوم ... تفاصيل أكثر
محمد مفرج عقوب المطيري الكلية:معهد بيت الحكمة القسم:العلوم السياسية ... تفاصيل أكثر
- عبدالعزيز بدر ندا المطيري جامعة آل البيت- معهد بيت الحكمة- قسم العلوم السياسية ... تفاصيل أكثر
أحمد بن نعمان دحان ... تفاصيل أكثر
إعداد الباحث/ صالح أحمد حسن البربري، رسالة دكتوراه، قسم الإدارة العامــة، كليـــة العلوم الإدارية،جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية ،جمهـــورية الســــــــــودان، 2019- 2020م ... تفاصيل أكثر

من المقالات الجديدة

أثر المتغيرات الاقليمية على السلوك الخارجي لدولة الإمارات العربية المتحدة (2010-2019)

راشد محمد راشد الشحي جامعة آل البيت- معهد بيت الحكمة- العلوم السياسية

أثر المتغيرات الإقليمية على الاستقرار السياسي في الأردن 2011-2019

اسم الطالب خالد حسن فليح الملاجي جامعة آل البيت - معهد بيت الحكمة- قسم العلوم السياسية

الشرط التحكيمي في المنازعات التجارية : دراسة مقارنة بين التشريعين الأردني والكويتي

عبدالرحمن غانم مشلح الرشيدي جامعة آل البيت- كلية القانون- قسم القانون

الإشتراط لمصلحة الغير وتطبيقاتها الحديثة : دراسة مقارنة

ناصر هني فلاح الرشيدي جامعة آل البيت - كلية القانون- قسم القانون

أحكام الناخب والمنُتخب في الفقه الإسلامي والقانون الكويتي : دراسة مقارنة

علي مشعل هلال العتيبي جامعة آل البيت : الكلية كلية الشريعة القسم الفقه وأصوله

أثر استخدام دورة التقصي الثنائية في اكتساب المفاهيم العلمية لدى طالبات الصف السابع الأساسي في ضوء النمو العقلي لهن

مها عبدالكريم عرنوس مشاقبة الكلية:كلية العلوم التربوية القسم:المناهج والتدريس/العلوم

السياسة الخارجية الكويتية تجاه التحولات السياسية في النظام الإقليمي العربي 2011-2016

محمد مفرج عقوب المطيري الكلية:معهد بيت الحكمة القسم:العلوم السياسية

أثر الأزمة اليمنية على العلاقات الخليجية 2011-2017

- عبدالعزيز بدر ندا المطيري جامعة آل البيت- معهد بيت الحكمة- قسم العلوم السياسية

نظام تدريبي مقترح لتنمية مهارات القيادة التحويلية لدى القيادات الإدارية بوزارة التربية والتعليم بالجمهورية اليمنية

إعداد الباحث/ صالح أحمد حسن البربري، رسالة دكتوراه، قسم الإدارة العامــة، كليـــة العلوم الإدارية،جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية ،جمهـــورية الســــــــــودان، 2019- 2020م
Powered by ePublisher 2011