الرئيسية | الملخصات الجامعية | تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية وأثره في إنتاج الدلالة في الجملة القرآنية

تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية وأثره في إنتاج الدلالة في الجملة القرآنية

حجم الخط: Decrease font Decrease font Enlarge font

القاهرة دار العلوم النحو والصرف والعروض دكتوراه 2009 نعيم محمد عبد الغني علي

                                                "الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى من اهتدى بهديه وسار على دربه إلى يوم الدين، وبعد:

فإن القرآن الكريم هو آخر إرسال السماء لهدي الأرض، ولذلك نال حظا وافرا من الدراسات، التي كان الطابع العام لها اهتمامها بجانب التشريع وجانب اللغة، غير أن الجانب التشريعي كان أوفر حظا من الجانب اللغوي في هذه الدراسات.

ورغم أنه من الممكن تصنيف الدراسات حول القرآن إلى لغوية وتشريعية فإن ذلك لا يعني أن الفريقين متخاصمان متعاندان، بل هما متكاملان متعاضدان؛ فأهل اللغة رغم أنهم يركزون في دراساتهم للقرآن الكريم على معرفة غريبه، وتفسير مفرداته، وإعراب بعض كلماته، والوقوف على بعض النكات البلاغية فيه، إلا أنهم يستعينون بما قاله دارسو الشريعة لمعرفة دلالات الألفاظ، ومواقعها في الجمل. كما كانت دراسة اللغة ضرورة ملحة لدارسي الشريعة لفهم النص، واستنباط الأحكام منه؛ وهذا ترتب عليه انسجام بين الفريقين كانت آثاره الحميدة متمثلة في تراث ضخم حوى أشياء، منها الحديث عن كيفية التفاعل بين المفردات والوظائف النحوية، كقول عبد القاهر في كتابه دلائل الإعجاز، الذي بين فيه أن الكلمة ينبغي أن ينظر إليها ""قبل دخولها في التأليف، وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخبارا، أو أمرا أو نهيا، واستخبارا وتعجبا، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضم كلمة إلى كلمة وبناء لفظة على لفظة""( ) وهذا يعني أن ""النظم لا يتبع من خارج التركيب بل من داخله، ومهمة الدارس هي كشف هذا الامتداد الداخلي وأثره في خلق العلاقات بين المفردات، ومراقبة التفاعل النحوي داخل الجملة هو الذي يقدم لنا الدلالة الفنية""( )؛ لذلك أردت أن أدرس النظم القرآني من خلال بناء الجملة القرآنية؛ تحت عنوان ""تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية وأثره في إنتاج الدلالة في الجملة القرآنية"".

أسباب اختيار الموضوع

وقد دفعني إلى اختيار هذا الموضوع ما يأتي:

أولا: إن اختيار الجملة القرآنية لتكون محلا للدراسة؛ مرده أن دراسة الجملة بصفة عامة تتخذ منطلقا لكل دراسة نحوية تهدف إلى وصف اللغة وتقعيدها؛ ""فهي الإطار الذي يحتوي ما عداه من الوحدات، والمحور الذي تدور حوله سائر العناصر، والبنية التي تنعكس عليها معظم المؤثرات""( ).

ثانياً: إن ""الوظائف النحوية تكفلت بها كتب النحو، ودرستها وحددت شروطها، غير أن دراستها تكاد تكون مستقلة عن جانب اختيار المفردات، ولم يعط التفاعل بينها الاهتمام المرجو، ولم تتحدد طبيعة العلاقة بينهما""( )، باستثناء بعض لفتات النحاة والبلاغيين والمفسرين من إشارات متناثرة حول تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية في الجملة القرآنية، فأردت جمع هذا الكلام في إطار يسهل تناوله.

ثالثا: ملاحظة كثير من التراكيب المتشابهة في الجملة القرآنية؛ فأردت تحليلها للوقوف على طريقة تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية فيها في ضوء فكرة بدائل الاختيار الممكنة بين المفردات والوظيفة النحوية.

الدراسات السابقة:

مما يرهق الباحث دوما إما كثرة الدراسات في موضوعه أو قلتها؛ فكثرتها تجعله يغرق في بحر لجي؛ حيث يحاول البحث عن فكرته في تراث ضخم، محاولا الاستناد إليه ليقدم إضافة جديدة، وقلتها تجعله كأنه في عناء من البحث عن أية فكرة أو كلمة تمت إلى موضوعه بصلة، وقد كان هذا البحث من النوع الأول؛ فموضوعه القرآن الكريم الذي كثرت الدراسات البلاغية والنحوية حوله؛ فهي لم توضع إلا من أجله، ومن ثم كانت هذه الدراسات السابقة كثيرة جدا إلا أن هذه الدراسات قديمها وحديثها لم تقصد الحديث عن تفاعل المفردات قصدا، بل كان حديثا عابرا عند بحث قضية من القضايا، وقد يفصل القول في قضية التفاعل تفصيلا، ولكن بدراسات مفرقة وقد تكون معمقة وغير معمقة، وما يتصل بهذه الفكرة مباشرة من دراسات ما يأتي:

أولا: ما قاله أستاذنا الدكتور حماسة في كتابه النحو والدلالة عن تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية؛ حيث بدأ بعرض نص موجز لسيبويه يوضح هذه الظاهرة قال عنه أستاذنا الدكتور محمد حماسة: إنه نص فريد ""وقد قدمه سيبويه موجزا مقتضبا، ولكنه دال مع إيجازه واقتضابه، غير أنه يبدو أن الفكرة التي يتضمنها هذا النص كانت توجه سيبويه، وهو يناقش بعض مسائل النحو المختلفة وقضاياه المتعددة في كتابه الرائد""( )، وخلال مناقشة أستاذنا للنص موضحا من خلاله الجانب الدلالي المتفاعل بين الوظائف النحوية والمفردات التي تشغلها، والإشارة إلى دور الجانب الدلالي في بعض الظواهر النحوية، طبق هذه الفكرة على بعض النصوص منها قوله تعالى: ""           ""( ) الذي نقل فيه قول سيبويه: ""فلم يشبهوا بالمنعوق به الذي لا يسمع، ولكنه جاء على سعة الكلام والإيجاز لعلم المخاطب بالمعنى""( )، واستخلص من النص نقاطا مهمة تمثلت في أن كل كلمة مفردة لها دلالة أولية، وتنتمي إلى حقل دلالي معين، وهذه الحقول مصنفة في عقول أبناء اللغة المعينة باعتبارات مختلفة، وأن كل كلمة من حقل دلالي معين قد تشترك معها كلمات من حقلها الدلالي أو من حقول أخرى تكون بينها صفات مشتركة من أي جانب تستجيب للدخول في علاقة نحوية من نوع ما، سواء أكان ذلك على سبيل الحقيقة أم على سبيل المجاز مع كلمات من حقول دلالية أخرى، ولا تستجيب بالضرورة لبعضها الآخر، وهذه الاستجابة درجات، بعضها مسموح به، ويؤدي إلى ما سماه سيبويه الكلام المحال أو الكذب المحال، وساق أستاذنا أمثلة وحللها في ضوء هذا الفهم( ).

ثانيا: ما قاله الدكتور إبراهيم الدسوقي في بحث له بعنوان ""المصاحبة اللفظية وتطور اللغة""، حيث عرف فيه المصاحبة بأنها كلمتان أو كلمات ينظر إليها على أنها وحدات معجمية مفردة مستخدمة بحكم العادة في ترابط بعضها مع بعض في لغة ما، ثم بين أنواع المصاحبات من خلال النظرة إلى الحقول الدلالية، وقال إنها مصاحبات يمكن التنبؤ بها بقوة، ومصاحبات أقل قابلية من ناحية التنبؤ بها،  ومصاحبات لا يمكن التنبؤ بها، ثم طبق هذه الفكرة على معجم أساس البلاغة للزمخشري والمعجم العربي الأساسي الذي وضعه جماعة من اللغويين العرب بتكليف من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وصدر سنة 1989م؛ وقد تم اختيار هذا المعجم لاهتمامه بالحقيقة والمجاز، إلا أن الدراسة التي اختارت ثلاث مواد فقط هي الباء والخاء والصاد انصبت في الأساس على المعجم والدلالة، ولم يأخذ الجانب النحوي حظه من الدرس كدراسة المعجم والدلالة عنده، ومن ثم تبقى الحاجة لدراسة الظاهرة في النص ملحة، حيث إنها ستجمع بين عدة مستويات من مستويات اللغة أثناء التحليل( )

ثالثا: ما قاله الدكتور محمد حسن في كتابه ""المصاحبة في التعبير اللغوي""، حيث عرض الظاهرة في آثار الدارسين في الغرب، ثم عرضها في آثار الدارسين العرب، وطبق الفكرة على جذرين فقط هما (ح.ي.ي) و(م.و.ت)( )، وهذه الدراسة أيضا لم تعط الجانب النحوي حظا كبيرا من الدراسة وركزت على جانب المعجم والدلالة فقط.

رابعاً: رسالة دكتوراه بعنوان ""العلاقات النحوية في الجملة ودورها في تشكيل المجاز"" للباحث محروس السيد يوسف بريك؛ حيث عرف بالمجاز وعلاقة النحو بالدلالة وأسس تشكيل المجاز عند النحاة والبلاغيين من حيث الاستقامة والإحالة والكذب كأثر من آثار التفاعل بين المفردات والوظائف النحوية، وكسر قواعد التناسب بين المفردات المعجمية في المجازات التركيبية والنظم في بناء الجملة والإسناد النحوي بين اللفظ والمعنى، وتناول أيضا المجاز بين الاستبدال المعجمي والتعلق النحوي في دراسة نظرية بلورت ما كتب فيها من دراسات عربية وغربية حديثة، ثم تحدث عن بعض أنماط العلاقات النحوية التي تشكل المجاز ودلالتها، فتحدث عن علاقة الإضافة، والنعت وعطف النسق، والبدلية، والحالية والتمييز، وعلاقة التعلق، والمفعولية، وختم دراسته بالتطبيق على ثلاثة نصوص شعرية ممثلة لألوان مختلفة من الشعر، ففيها قصيدة تأبط شرا، وثانية لمحمود حسن إسماعيل، وأخيرة لمحمود درويش( ).

ومن العرض السابق يتبين أن دراسة أستاذنا الدكتور محمد حماسة هي أوثق الدراسات بهذه الدراسة، وتعتبر الأساس الذي ستبنى عليه؛ حيث إن الفكرة تحلل الجملة في ضوء معطيات المفردات المعجمية متفاعلة مع الوظائف النحوية وتبين أثر ذلك في الدلالة، ودور السياق في توجيه هذا كله، أما الدراستان اللتان قدمهما الأستاذ الدكتور إبراهيم الدسوقي، والأستاذ الدكتور محمد حسن فقد ركزتا على جانبي المعجم والدلالة فحسب، ولم يتطرقا مطلقا للحديث عن تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية.

وأما دراسة العلاقات النحوية في الجملة ودورها في تشكيل المجاز، فهي مع  قربها من فكرة هذه الدراسة؛ إذ اتخذت كلام أستاذنا الدكتور حماسة منطلقا لها أيضا، وهي مع ما توصلت إليه من نتائج مفيدة إلا أنها تختلف عن هذه الدراسة من جانبين، هما:

أولا: إن الباحث محروس بريك اعتمد على المجاز وعلاقته بالجملة بصفة أساسية، وهذه الدراسة لم تعتمد على المجاز بصفة أساسية في تفسير ظاهرة التفاعل، بل حاولت تتبع سلوك المفردة من خلال البدائل الرئسية والأفقية بغض النظر عن نوع الجملة إن كانت حقيقة أو مجازا.

ثانيا: اعتمد الباحث على التأصيل النظري البحت، ثم طبق ذلك على نصوص شعرية في فصل مستقل بينما كان المنطلق في هذا البحث تحليل الجملة القرآنية، بعد جمع ما قيل عن كل مبحث في كتب النحو والبلاغة في محاولة لبلورة ما قيل من أفكار المفسرين وربطه بما قيل من دراسات لغوية قديمة وحديثة. 

الصعوبات التي واجهت الباحث:

واجهتني أثناء البحث صعوبات، هي:

أولا: محاولة التأصيل للمصطلحات التي وردت في البحث؛ خاصة عنوان الدراسة التي كثر كلام اللغويين حولها، وهذا الكلام كان منه ما يتحدث عن تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية وما يتعلق به من مصطلحات صراحة خاصة في الدراسات الحديثة، وكان منه ما يتحدث عن الموضوع في إشارات متناثرة؛  مما دفعني لدراستها؛ لكي أتمكن من صنع خطة مناسبة للموضوع.

ثانيا: محاولة اختيار الوظائف النحوية المناسبة لتحليلها؛ فنظرا لتشعب الفكرة وامتدادها، وكثرة أمثلتها وتعدادها لم أستطع دراسة كل الوظائف النحوية، ومن ثم قمت باستقراء سريع لكل الوظائف؛ لأستقر على الوظائف المختارة في هذا البحث، وهذا لا يعني أن تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية مقصور على الوظائف التي اختارها البحث، وإنما كل الوظائف النحوية بها عناصر دلالية تحتاج إلى استقراء لنصوص العربية وأهمها القرآن، ودراسة هذه النصوص في ضوء الدرس اللغوي قديمه وحديثه جهد لا يستطيع باحث بمفرده القيام به.

ثالثا: صعوبة اختيار الأمثلة من الجمل القرآنية، ومن ثم اعتمدت على فكرة البدائل في اختيار الجملة القرآنية المراد تحليلها، فكانت البدائل إما بدائل عقلية للمفردات التي تكون من حقل دلالي واحد، وإما بدائل من داخل القرآن نفسه. 

رابعا: صعوبة الفهم للجملة القرآنية أثناء التحليل، رغم كثرة كتب التفسير، حيث كنت أعمد إلى استخراج الأمثلة القرآنية من النص مباشرة، ثم أقوم بالبحث عن البدائل الرأسية والأفقية عند تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية في محاولة لإيجاد تعليل لاختيار مفردات الجملة القرآنية الوظائف النحوية التي شغلتها، وكنت أجد الإجابة عند بعض المفسرين وأحيانا لا أجد الإجابة فكنت أجتهد قدر الطاقة في التحليل الذي يعبر عن وجهة نظر قد تكون صوابا وقد تكون غير ذلك.

منهج البحث:

اقتضت طبيعة هذه الدراسة أن تعتمد على أكثر من منهج في التحليل، حيث إنها اعتمدت على المنهج النقدي لتحليل بعض المصطلحات النظرية، عندما يكثر الخلاف حولها؛ حتى يستقر البحث على رأي يسير عليه، واعتمدت على المنهج الإحصائي عندما تقل ظاهرة من ظواهر التفاعل، والمنهج التحليلي؛ لتحليل ظواهر تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية، والهدف من ذلك إدراك علاقة الكلمة بغيرها من الكلمات التي تجاورها، أو تبتعد عنها، وأثر ذلك في تغير الدلالة، ثم محاولة معرفة علاقة الكلمة المذكورة في النص بالبدائل الممكنة التي يمكن أن تحل محلها، لكنها لم تذكر لهدف جمالي خالص؛ فعملية التجاور من جهة والتشابه من جهة أخرى هما الأساس في إدراك الطبيعة الإبداعية للغة تنظيرا وتطبيقا( )

وقد اتبعت في هذه الدراسة عرض ظاهرة تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية في بناء الجملة بصفة عامة، مؤصلا للظواهر المشتركة بين الوظائف عند ورودها في أول مرة، ثم أذكر ما يخص هذه الظواهر عند ذكر وظيفة نحوية بعينها، فمثلا: أتحدث عن ظواهر التفاعل الأفقي من تقديم وتأخير وحذف وفصل ووصل وتعدد لبعض الوظائف، عند ورودها مثلا في علاقة الإسناد الاسمي، وترد هذه الوظائف أو بعضها في مقيدات الإسناد كالنعت والإضافة، فأذكر فقط ما يتصل منها بالنعت والإضافة. كما بدأت بعرض ملامح التفاعل الرأسي بين المفردات والوظائف النحوية أولا ثم عرض بعدها لملامح التفاعل الأفقي إلا إذا كان التداخل بينهما شديدا، فتقتضي طبيعة البحث أن أتناول الاثنين معا كما حدث في علاقة الإسناد الاسمي مثلا.

خطة الموضوع

وهذه الدراسة تشمل ثلاثة فصول مسبوقة بتمهيد، ومتلوة بخاتمة، فأما التمهيد فخصصته للتعريف بعنوان الدراسة وموقعها من الدرس النحوي والدلالي والمناهج المختلفة التي درست الفكرة مع محاولة اختيار المنهج الذي سارت عليه الدراسة، والذي أفضى إلى التحرك في إطار علاقة الإسناد باعتبارها أهم العلاقات في الجملة على الإطلاق، ثم تأتي من بعدها علاقة تقييد أحد عنصري الإسناد في الجملة، ومن ثم كان الفصل الأول تحت عنوان تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية في إطار علاقة الإسناد الاسمي ومقيداته حيث تناولت فيه المبتدأ والخبر كعنصري إسناد، ثم اخترت الإضافة والنعت كأهم وظائف نحوية تقيدهما.

وفي الفصل الثاني تحدثت عن علاقة الإسناد الفعلي ومقيداته في الجملة القرآنية من خلال دراسة الفعل ومتعلقاته في الجملة من فاعل ومفاعيل.

وجاء الفصل الثالث مختتما لهذه الدراسة حيث تناولت فيه دور الأدوات في تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية خاصة حروف المعاني التي نالت حظا وافرا من الدراسة النحوية الدلالية؛ فقمت بتسجيل ملاحظات على طبيعة تفاعل هذه الأدوات مع الوظائف النحوية من حيث التسمية والشكل والدلالة، ثم اخترت بعض  هذه الأدوات لدراستها، فكان المبحث الأول حروف العطف، والثاني حروف الجر، والثالث أدوات النفي.

وأعقبت هذه الفصول الخاتمة التي ذكرت فيها نتائج هذه الدراسة التي منها أن كثيرا من البدائل الممكنة في الجملة القرآنية يمكن دراستها في إطار تشابه التراكيب القرآنية في ظاهرة سميت في كتب علوم القرآن بظاهرة التكرار، وهي في حاجة إلى مزيد دراسة نحوية ودلالية...إلخ هذه النتائج التي ذكرتها في موضعها.

وقد اعتمدت هذه الدراسة على كثير من المصادر التي استفادت منها بصورة مباشرة وغير مباشرة، ولكن أهم هذه المصادر التي رجعت إليها كثيرا، النحو والدلالة لأستاذنا الدكتور محمد حماسة؛ ففكرة البحث مستقاة من هذا الكتاب، وما كتبه أستاذنا الدكتور تمام حسان خاصة كتابه اللغة العربية معناها ومبناها، وكتاب البيان في روائع القرآن، وكتاب جدلية الإفراد والتركيب للدكتور محمد عبد المطلب، وغيرها من الدراسات النحوية الحديثة فضلا عن الذي كتبه النحاة والبلاغيون القدماء، كسيبويه، والفراء، والمبرد، وابن جني، والرضي، وابن هشام وأبي حيان، وعبد القاهر والسيوطي وغيرهم. 

وأخيرا فقد اجتهدت في هذا البحث قدر طاقتي، ولم أعطه المتردية والنطيحة من وقتي، بل جعلته في قمة أولوياتي في حياة اتسمت بصعوبة مطالبها، وكثر متاعبها، رغبة في تقديم دراسة أرجو أن تكون جادة، فما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان غير ذلك فأسأله سبحانه أن يجبر النقص ويجنبني الزلل، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. 

 

التمهيد

هذا البحث معني بدراسة تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية وأثر ذلك دلاليا في الجملة العربية بصفة عامة، والجملة القرآنية بصفة خاصة.

والوظيفة النحوية مصطلح يرتبط بعدة مصطلحات أخرى كـ""المعنى الوظيفي"" و""المعنى النحوي""، و""المعنى الداخلي"" و""المعنى البنيوي"" وكلها تعبر عن مفهوم واحد؛ فهي تمثل المعنى الذي تكتسبه الكلمة مع كلمات أخرى داخل السياق( )، وهي نتاج تفاعل المفردات مع المواقع النحوية، فمثلا: الشمس طالعة، فيها (الشمس) مفردة جاءت في موقع المبتدأ لتأدية وظيفة المبتدأ، و(طالعة) مفردة جاءت في موقع الخبر لتأدية وظيفة الخبر( ) في هذا التركيب الإسنادي؛ فالوظيفة النحوية إذا ""خانة أو موضع مخصوص في التركيب، يتعين به دور كل مفردة بإزاء المفردة الأخرى في ذلك التركيب""( )؛ فمفهومها مرتبط ارتبطًا وثيقا بالمنزلة ""التي يتبوؤها أي جزء من أجزاء الكلام في البنية التركيبية للسياق الذي يرد فيه( ).

وإن إشارات النحاة في كلامهم عن تعريف النحو وقواعد النظم والتأليف والحديث عن الجمل المقبولة والمرفوضة نحويا ودلاليا توحي بأن هناك فرقا بين النظام النحوي الذي يعد هيكلا تجريديا والحدث اللغوي الذي يعد الواقع الفعلي للغة، وتؤكد على هذا المفهوم للوظيفة النحوية المتمثل في: ""الدور الذي تؤديه الكلمة من خلال وجودها في موقع مخصوص يعبر عن معنى ما تحدده العلاقات التي تربطه بغيره""( )

وهذه الوظيفة النحوية لكي تقوم بدورها فلا بد للموقع النحوي الذي تحل فيه المفردات من شروط خاصة تتفاوت في تأثيرها على الوظيفة النحوية داخل الجملة، وهذه الشروط منها ما يتعلق بالجانب المعجمي، ومنها ما يتعلق بالجانب الصرفي، ومنها ما يتعلق بالعلاقة التي تكونها الوظيفة النحوية مع غيرها من الوظائف في الجملة؛ بحيث تكون مقبولة نحويا ودلاليا في السياق الواردة فيه.

فأما الجانب المعجمي والصرفي فيتمثل في أن مفردات الباب تستغرق ""مجموع الكلم التي تحتل تلك الخانة أو تقع ذلك الموقع، ويمكن لكل واحدة منها أن تحل محل سائرها، فمفردات الباب ذات مفهوم توزيعي إذن وليس شرطا فيها أن تكون متوحدة الصيغة، فيمكن للمبتدأ أن يكون ضميرا أو اسما علما أو مصدرا مؤولا، ولكن يتعين في مفردات الباب عادة ضرب من الصيغ يعرف على أنه ألزم لتلك الوظيفة ... ويحسن عند فرز الأبواب النحوية ومفرداتها أن تنسق وفقا لهذا الاعتبار""( ).

وتتفاوت الشروط الصرفية في درجة تأثيرها على تشكيل الوظيفة النحوية، فالفعل أقل تأثيرا من الاسم في تشكيل الوظيفة النحوية رغم أنه أحد أركان الإسناد في الجملة، وليست كل الأسماء تؤثر في شكل الوظيفة النحوية؛ فللجمود والاشتقاق والتعريف والتنكير أثر واضح في وظائف نحوية كثيرة؛ لتأتي صيغة الاسم من حيث النوع في التذكير والتأنيث أو من حيث العدد إن كان مفردا أو مثنى أوجمعا في مرتبة أقل تأثيرا من الجمود والاشتقاق والتعريف والتنكير( ).

أما الشروط المعجمية التي تتطلبها الوظائف النحوية فإنها تتمثل في درجة القبول لدى المتلقي؛ فالقواعد النحوية والصرفية ما هي إلا مجرد نظام أو هيكل تجريدي، والمعنى المعجمي يتفاعل مع هذا الإطار لإعطاء المعنى الدلالي للجملة الذي قد يكون مقبولا لدى المستمع فيستحسنه حتى ولو أتى على عكس ما يتوقعه من مفردات شاغلة للشاغرة النحوية، أو يكون مرذولا يستقبحه المتلقي؛ لكونه مخالفا للقواعد النحوية والدلالية.

وهذا ربما جعل هنري بلت يقسم العمليات اللسانية إلى قسمين: قسم يخترق المعيار ويطلق عليه الرخص، وقسم يقويه ويسميه التعادلات، وتتكون العمليات التي تخرق المعيار من الزيادة والنقص والتعويض وتبادل الدلائل، وأما القسم الذي يقوي المعيار فعملياته مكونة من التكرار كمقياس أساسي، والموقع والحجم والتردد والمسافات الفاصلة كمقاييس ثانوية( ).

وهذه العمليات تتم في كافة مستويات اللغة، بداية من بساطتها التي تتجلى في الجانب الصوتي مرورا بالجانب الصرفي والنحوي، وانتهاء بالدلالة التي تعد أعقد مستويات اللغة؛ إذ تحدث عدة تعادلات يعد التعويض أكثرها أهمية، ويترتب عليه حدوث المجاز الذي اختلف في تصوير كيفية التعويض بين المفردات فيه( ).

ويحاول ياكبسون وضع قاعدة لكيفية تعويض المفردات داخل الوظيفة النحوية، فيذكر أنها تتم على أساسين: الأول يتمثل في عملية التشابه الذي يعوض فيه الشيء بمعادله، كتعويض الفتاة بالخيزران في مثل رأيت فتاة خيزران، وتعويض المجاورة الذي يفترض علاقة إسنادية، ونتيجة هذه التشابهات تنشأ مجازات التشابه أي الاستعارة، ومجازات التجاور أي الكناية، وجميع المجازات تقوم على هذين الأساسين( ).

وكلام ياكبسون أكد عليه من قبل عبد القاهر فقال تحت عنوان فصل في اللفظ يطلق والمراد به غيرُ ظاهره: ""اعلم أن لهذا الضرب اتساعا وتفننا لا إلى غاية إلا أنه على اتساعه يدور في الأعم الأغلب على شيئين: الكناية والمجاز""( ).

والبلاغيون العرب بصفة عامة في محاولة معرفة مسلك الكلمة داخل الوظيفة النحوية يضعون تقسيمات للمفردات في حقول دلالية، فكلامهم مثلا عن طرفي التشبيه بأنه إما أن يكون مستندا إلى الحس كالخد عند التشبيه بالورد في المبصرات، وكالنكهة عند التشبيه بالعنبر في المشمومات، وإما أن يكون مستندا إلى العقل كالعلم إذا شبه بالحياة، أو يكون التشبيه في الوهميات المحضة كتشبيه المنية بالمخلب( ).

لكن تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية على هذين الأساسين –الكناية والمجاز- لا يمكن قياس درجة قبولهما لدى المتلقي إلا من خلال النظر إلى الجملة في سياق النص الذي وردت فيه؛ فهناك فجوة بين اللفظ عندما يكون صورة ذهنية وبين التعبير عنه بشكل منطوق أو مكتوب، ""وروح البلاغة كلها كامنة في الوعي بفجوة ممكنة بين اللغة الواقعية (لغة الشاعر) واللغة المحتملة (التي يحتمل أن يستخدمها التعبير البسيط والعام) تلك الفجوة التي يكفي أن تقوم في الذهن لكي يتم تحديد فضاء الصورة، والمفارقة بين الاستعمال المحتمل غير التصويري، والاستعمال المحقق التصويري للغة تخلق فراغا، وعلى المتلقي أن يملأه بعملية تكمن في إعادة ترجمة الصور إلى بيانات لسانية موافقة للمعيار""( ).

وهذه الترجمة تختلف عند المتلقي فتتعدد القراءات للنص الواحد ومن ثم يختلف التوجيه الذي يؤدي مجموع اختلافاتها إلى الفضاء الجمالي للمتلقي( ).

وتحكم هذه الترجمة مزواجة لا تكون مباشرة بين الجملة ومعنى من معانيها، وإنما تكون مزواجة عبر البنى التركيبية والمضمون المعجمي للجملة وعليه فلبناء البنية الدلالية يجب:

(أ‌)         تخصيص معاني الوحدات المعجمية

(ب‌)       تخصيص القواعد التي تعمل على البنى التركيبية لبناء معاني المركبات والجمل انطلاقا من معاني الوحدات المعجمية""( ).

ويقرر الدرس اللغوي الحديث أن ""معاني الوحدات المعجمية والمكونات الكبرى تعد مفاهيم يمكن تحليلها إلى مفاهيم أبسط تمثلها السمات الدلالية والمميزات، فالسمات الدلالية والمميزات هي الأبجدية الدلالية التي تؤلف منها القراءات. والمميز يمثل ما هو خاص في معنى وحدة معجمية وتمثل السمة الدلالية ما هو نسقي أو علاقي في المعنى أي ما يربط بين المفردة ومفردات أخرى""( ).

وإذا كانت نظرية النحو المعجمي الوظيفي( ) تحاول إقامة روابط بين قواعد الإعراب والاشتقاق والصيغ المعجمية( )، فإن النحاة العرب كان لهم فضل ""اعتماد الوظائف النحوية في صياغة العلائق القائمة بين مكونات الجملة""( ) من خلال النظر في أربعة جوانب متصلة غير منفصلة هي:

1-         الاختيار أو الانتقاء (selection) أو (choice)

2-         الموقعية (word-order)

3-         المطابقة (concord) أو الارتباط الداخلي

4-         الإعراب( )

والاختيار يقصد به أن يعمد المتكلم أو الكاتب إلى اختيار صيغة معينة صالحة للتعبير عن معانيه وجائز ارتباطها – بحسب العرف والتقليد اللغويين- بعضها ببعض أو بغيرها في التركيب المعين، ولا يمكن فهم هذا الاختيار على حقيقته إلا بدراسة الموقعية؛ إذ هما مرتبطان أشد الارتباط ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر؛ لأن الموقعية تبحث في قوانين تأليف الكلام وقواعد ترتيب الكلمات في الجملة والعبارة، وقد اهتم بهما القدماء ومن أبرزهم عبد القاهر الذي نظر لنظرية النظم التي تقوم على الاختيار والموقعية مجتمعتين( )؛  ففكرة الاختيار –وهي من الركائز النظرية لعلم الأسلوب الحديث- ليست خافية على البلاغيين وإن اختلفت عند الأسلوبيين والبلاغيين؛ حيث إن البلاغيين يجعلون الاختيار ضمن مفهوم مقتضى الحال الذي يفترض فيه مراعاة حال المخاطب في الكلام، وأما الأسلوبيون فإنهم يبحثون في انحراف الأسلوب عن الذي يتوقعه السامع؛ فاختيار البلاغيين اختيار مطابقة لمقتضى الحال واختيار الأسلوبيين مطابقة وانحراف لمقتضى الحال( ).

والمطابقة قرينة لفظية لها دور في تحديد الوظيفة النحوية كدورها مثلا في تحديد وظيفة النعت؛ فعبارة جاء الرجل العادل فيها مفردة (العادل) قد وقعت نعتا، وحدثت المطابقة بين الرجل والعادل في النوع،..... واختيرت الضمة لتحديد وظيفتي النعت والخبر؛ لئلا يحدث اللبس بين الوظائف النحوية المختلفة( )، فالعلامة ""الإعرابية قرينة مهمة من القرائن التي تعين على تحديد المعنى الوظيفي للكلمة في الجملة""( ).

وقد أشار النحاة إلى الجوانب الأربعة السابقة، واهتموا كثيرا بدور الجانب المعجمي في تحديد الوظيفة النحوية، ""فالكلمات قد لا يتغير لفظها، وتتنوع وظيفتها من جملة إلى أخرى تبعا لتغير معناها""( ) فكلمة (حقلد) لم يضعها ابن هشام في وظيفتها النحوية إلا عندما تعرف معناها أولا؛ فقال: ""وسألني أبو حيان –وقد عرض اجتماعنا- علام عطف ""بحقلد"" من قول زهير:

تَقِيٌّ نَقِيٌّ لَمْ يُكَثِّرْ غنيمةً                     بنهْكة ذي قربى ولا بحَقْلَدِ( )

فقلت: حتى أعرف ما الحقلد، فنظرناه فإذا هو سيئ الخلق، فقلت: هو معطوف على شيء متوهم؛ إذ المعنى ليس بمكثر غنيمة فاستعظم ذلك""( ).

وتتحدد الوظيفة النحوية على المعنى المعجمي أيضا في قوله تعالى: (    )( )؛ فإذا كانت الكلالة بمعنى القرابة فهي مفعول لأجله، وإذا كانت بمعنى الميت الذي لم يترك والدا ولا ولدا فهي في وظيفة الحال، أو الخبر إذا لم نقدر مضافا، وإذا كانت بمعنى الورثة إذا لم يكن فيهم والد فما علا وولد فما سفل فهي على تقدير مضاف وحينئذ يقدر مضاف وتكون إما حالا من ضمير ""يورث"" و""كان"" حينئذ إما أن تكون ناقصة أو تامة وإما خبرا و""يورث"" صفة( ).  

إذا فالمثالان السابقان يؤكدان أن اللغة لا تتطلب الجديد من المعاني الوظيفية بل تتطلب الجديد من المعاني المعجمية""( )؛ ومن ثم فالنظام النحوي ""هو معنى وظيفي أي أن ما يسمى المعنى على هذا المستوى هو في الواقع وظيفة المبنى التحليلي ثم يأتي معنى الكلمة المفردة (المعنى المعجمي) وما يكون بمجموع هذين المعنيين مضافا إليهما القرينة الاجتماعية الكبرى التي نرتضي لها اصطلاح البلاغيين المقام (context of situation) وكل ذلك يصنع المعنى الدلالي""( ).

والاختيار النحوي لا يقتصر على اختيار كلمة ما لشغل الوظيفة النحوية، بل يشمل الرتبة النحوية لتلك المفردة التي تكون محفوظة ويجب الالتزام بها كرتبة التقديم والتأخير بين الصلة والموصول والموصوف والصفة، وتكون غير محفوظة كرتبة التقديم والتأخير في المبتدأ والخبر والفاعل والمفعول( ).

ومعيار الاختيار النحوي يحاول عبد القاهر تحديده بقوله: ""واعلم أنه إذا كان بيناً في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه حتى لا يشكل، وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقه، وأنه الصواب إلى فكر وروية فلا مزية. وإنما تكون المزية ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال غير الوجه الذي جاء عليه وجهاً آخر، ثم رأيت النفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، ورأيت للذي جاء عليه حسناً وقبولاً يعدمهما إذا أنت تركته إلى الثاني""( ).

والاختيار بين المفردات لشغل الوظيفة النحوية يقوم على ازدواجية مفادها أن هناك علاقتين ""بين الوحدات اللغوية والوظائف النحوية، الأولى: تؤدي فيها مجموعة من الوحدات اللغوية وظيفة نحوية واحدة مهما اختلف شكل هذه الوحدات، فإذا قلنا ""قابلت رجالا أمريكيين""، فالوحدة اللغوية ""أمريكيين"" تؤدي وظيفة نحوية واحدة هي الوصف للوحدة اللغوية ""رجالا""، ولا يعنينا أمر هذه العلامة التي نصبت بها الوحدة ""رجالا"" لكننا وفقا للعلاقات الرأسية ""Paradigmatic Relation""  يمكن أن نستبدل الوحدة اللغوية ""أمريكيين"" بوحدة أخرى من وحدات اللغة العربية هي الجار والمجرور ""من أمريكا"" فيصبح التركيب ""قابلت رجالا من أمريكا"" والحقيقة أن مكون الجار والمجرور ""من أمريكا"" يشغل الوظيفة النحوية ذاتها التي شغلها المكون ""أمريكيين"" وهي الوصف أو النعت، وهناك بدائل عدة في اللغة يستخدمها كل متكلم أو مبدع سواء أكان شاعرا أم ناثرا تميزه عن باقي المتكلمين أو المبدعين من أبناء اللغة. والعلاقة الثانية هي التي تثبت فيها الوحدة اللغوية مع تغير وظائفها النحوية أو بالأحرى تعددها وفقا لاحتمالات معاني وحدات التركيب أو تعدد دلالة التركيب بأكمله عند المستمع أو القائل وهذه العلاقة عرفت عند النحاة باسم تعدد الأوجه الإعرابية""( ).

إن الوظائف النحوية قد تتشابه في جملتين، وتختلف بعض المفردات في الجملتين لإحدى الوظائف المتشابهة فيحدث تأويل مختلف فمثلا:

-           صراخ المجرم لم يؤثر في الناس

-           عقاب المجرم لم يؤثر في الناس

يلاحظ في الجملتين السابقتين تشابه التركيب، فهما جملتان اسميتان من مبتدأ وخبر، والخبر واحد في الجملتين، ولكن المبتدأ الذي شغل بالمركب الإضافي اختلف، فجاء المضاف في الأولى صراخ، وفي الثانية عقاب، فاختلفت دلالة الجملتين اختلافا جذريا، فالجملة الأولى صراخ المجرم...تبين أن الفاعل الحقيقي للصراخ المجرم، أما في الجملة الثانية فإن المجرم هو المفعول به الحقيقي لفعل العقاب لأنه نزل به( ).

            والوظيفة النحوية أيضا ليست قادرة على تحديد المعنى الدلالي للجملة منعزلة عن السياق الواردة فيه، فجملة مثل: كان عقاب علي صارما لا نعلم معناها خارج السياق؛ فهي تحتمل أن العقاب كان واقعا على علي فهو مفعول به، أو واقعا منه فهو فاعل( )، ومن ثم ينبغي الربط بين المفردة والوظيفة النحوية في إطار السياق.

وهذا الربط (التفاعل) بين الموقع الذي يشغله عنصر معين وبين الوظيفة التركيبية والدلالية أمر ضروري؛ فالعلاقة بين العنصر والموقع والوظيفة منتجة مادام صاحب اللغة قادرا على إحداث توازن بينهما بصورة تلقائية مألوفة بحيث يكون الخروج على النظام اللغوي انحرافا في العلاقة بين المفردة والوظيفة النحوية.

وتفاعل المفردات مع الوظائف النحوية بهذا المفهوم إجراء من إجراءات دراسة النص، ولذلك سوف تتم دراسة هذه الظاهرة في الجملة القرآنية؛ رغبة في دراسة تفاعل المفردات مع الوظائف النحوية في الجملة في ضوء نص محكم، يكون منطلقا لدراسة نحو الجملة ونحو النص معا؛ فما يشترك فيه نحو الجملة مع نحو النص ""التضام والاتساق،  والصفة الأولى تتناول اللفظ على حين تتناول الثانية المعنى، فالتضام علاقة تشمل أمورا مثل الاختصاص والتلازم والمطابقة وعود الضمير والداخل والمدخول وهلم جرا، والاتساق علاقة بين المتضامين تجعل أحدهما غير ناب في الفهم عن الآخر، فلا وجه لجملة فعلية مثل ""فهم الحجر""  ولا لجملة اسمية مثل ""السماء تحتنا"" فذلك غير مقبول في الظروف العادية لاستعمال اللغة وقد يكون مقبولا في المواقف غير المعتادة كإرادة السخرية""( ).

وإذا كان هذا البحث معنيا بدراسة نقطة مشتركة بين نحو الجملة ونحو النص، وكان النص جزءا من المقام فإن معالجة تفاعل المفردة مع الوظيفة النحوية داخل الجملة في ضوء التضام والاتساق معا، أو السبك والحبك على حد تعبير الدكتور سعد مصلوح( ) يعد أمرا ضروريا؛ لأن ""النص بأكمله مجال دلالي واحد والجمل من النص تقوم على تسلسل معنوي عام بحكم انتمائها إلى نفس المجال الدلالي، ولكن هذا الارتباط الدلالي ليس من الحتمي أن يتشكل في ارتباط نحوي""( )."

 

 

 

بيانات الكاتب

مركز النظم للدراسات  وخدمات البحث العلمي مركز النظم للدراسات وخدمات البحث العلمي يُعد مركز النظم للدراسات وخدمات البحث العلمي أحد المراكز العلمية المتميزة في مجاله لما يقدمه من خدمات راقية تغطي كافة احتياجات طلاب وطالبات الدراسات العليا ، حيث يضم المركز بين جنباته كفاءات علمية عالية تم اختيارها بدقة وعناية لتقديم أفضل الخدمات الممكنة، فمنذ تأسيسه عام 1421هـ وهو يسير بخطوات واثقة لمساعدة طلاب الدراسات العليا، ومد يد العون لهم، في كافة المجالات والتخصصات ، من مختلف المراحل الماجستير والدكتوراه.
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة

علامات مرتبطة:

لا توجد علامات لهذا الموضوع

من اختيارات المحررين

أحمد بن نعمان دحان ... تفاصيل أكثر
أحمد جمال حسن محمد _ دكتوراه_ جامعة المنيا _ كلية التربية النوعية_ قسم الاعلام التربوي_ 1439_ 2018 ... تفاصيل أكثر
اسم الباحثة هناء بنت محمد أبا الخيل..الجامعة الأردنية..الكلية العلوم التربوية..القسم الإدارة التربوية..دكتوراه..2017 / 2018 ... تفاصيل أكثر
فيما يلي استعراض أبرز خدمات المركز .. ولخدمات أخرى لم تذكر.. فضلا التواصل عبر الايميل nodom@alnodom.com.sa v  عنوان الرسالة v توفير المراجع والدراسات السابقة باللغة العربية والأجنبية vالاحصاء والتحليل vالترجمة العلمية vالنسخ والطباعة vالمراجعة ... تفاصيل أكثر
اسم الباحث: عبدالرحمن بن عبدالعزيز بن إبراهيم العمير. اسم المشرف: د. أحمد بن عبدالعزيز الرومي. اسم الجامعة: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية اسم الكلية: كلية العلوم الاجتماعية – قسم أصول التربية – تخصص التربية الإسلامية. العام الجامعي: 1438ه- 1439ه، الموافق 2017م - 2018م ... تفاصيل أكثر

من المقالات الجديدة

نظام تدريبي مقترح لتنمية مهارات القيادة التحويلية لدى القيادات الإدارية بوزارة التربية والتعليم بالجمهورية اليمنية

إعداد الباحث/ صالح أحمد حسن البربري، رسالة دكتوراه، قسم الإدارة العامــة، كليـــة العلوم الإدارية،جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية ،جمهـــورية الســــــــــودان، 2019- 2020م

معوقات وحدات التدريب وأثرها في كفاءة وفاعلية التدريب دراسة ميدانية في مكاتب التربية والتعليم بمديريات محافظة الجوف– الجمهورية اليمنية

إعداد الباحث/ صالح أحمد حسن البربري-رسالة مقدمة كمطلب لنيل درجة الماجستير- 2011- 2012م - قســـم العلــوم السياسيــة - شعبـة الإدارة العامــة- كليـــة التجـارة والاقتصـاد-جـامعــــة صنعـــــــــاء- الـجمــهوريـــة الــيمــنـيــــة

رؤية منهجية مُقترحة لتطبيق التربية الإعلامية على طُلاب الجامعة المُتخصصين وأثرها على جودة إنتاجهُم للرسائل الإعلامية

أحمد جمال حسن محمد _ دكتوراه_ جامعة المنيا _ كلية التربية النوعية_ قسم الاعلام التربوي_ 1439_ 2018

تعارض النصين العامين: دراسة تطبيقية

بحث لنيل درجة الماجستير في الآداب تخصص: (الدراسات الإسلامية – أصول الفقه) السيد عبد الله السيد الجبان إشراف الأستاذ الدكتور الدكتور محمد أحمد شامية مسعود إبراهيم حسن أستاذ أصول الفقه المساعد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة جامعة الأزهر الشريف مدرس الأدب الفارسي كلية الآداب جامعة كفر الشيخ 2018

أشكال النحت والأرساب في هضبة البطنان /ليبيا

رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الجغرافيا الطبيعية إعداد الطالب الدامي هلال لامين بوحويش جامعة كفر الشيخ مصر

“أثر استخدام فيديو تعليمي في اكتساب المفاهيم الحاسوبية لدى طلبة كلية العلوم التربوية في الجامعة الأردنية”

اسم الباحثة:هناء بنت محمد أبا الخيل..الجامعة الأردنية..الكلية العلوم التربوية..القسم المناهج والتدريس/ تخصص تكنولوجيا التعليم..ماجستير..2015 / 2014

“قواعد إدارية تربوية مقترحة لاتخاذ القرار الرشيد في المدارس الخاصة في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية

اسم الباحثة هناء بنت محمد أبا الخيل..الجامعة الأردنية..الكلية العلوم التربوية..القسم الإدارة التربوية..دكتوراه..2017 / 2018

خدماتنا

فيما يلي استعراض أبرز خدمات المركز .. ولخدمات أخرى لم تذكر.. فضلا التواصل عبر الايميل nodom@alnodom.com.sa v  عنوان الرسالة v توفير المراجع والدراسات السابقة باللغة العربية والأجنبية vالاحصاء والتحليل vالترجمة العلمية vالنسخ والطباعة vالمراجعة

ممارسات حقوق الإنسان في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وتطبيقاتها التربوية في المجتمع

اسم الباحث: عبدالرحمن بن عبدالعزيز بن إبراهيم العمير. اسم المشرف: د. أحمد بن عبدالعزيز الرومي. اسم الجامعة: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية اسم الكلية: كلية العلوم الاجتماعية – قسم أصول التربية – تخصص التربية الإسلامية. العام الجامعي: 1438ه- 1439ه، الموافق 2017م - 2018م
Powered by ePublisher 2011