الرئيسية | الملخصات الجامعية | رد الاعتبار في القانون القطري والقانون المقارن

رد الاعتبار في القانون القطري والقانون المقارن

حجم الخط: Decrease font Decrease font Enlarge font

محمد حمد عمر الغياثين القاهـرة الحقوق القانون الجنائي ماجستير 2007

 "رد الاعتبار للمحكوم عليه وما يترتب عليه من آثار جنائية ومدنية يعد من أهم الأنظمة التي وضعتها التشريعات الإجرائية الجنائية بالدول المختلفة لما له من أثر بالغ الأهمية في أن يأخذ المحكوم عليه وضعه في المجتمع كأي مواطن لم تصدر ضده أحكام جنائية فهو وبحق يخفف من الآثار الاجتماعية للأحكام الجنائية والتي قد تقف صحيفة السوابق فيها عائقاً ضد المحكوم عليه في أن يشق طريقه الطبيعى في المجتمع لكسب معاشه .. مما يدفعه في حالة عدم حصوله على رد اعتباره – للعودة إلى طريق الانحراف والجريمة.

فهو يحقق الاستقرار الاجتماعي للفرد المحكوم عليه ويمكنه من العودة عضواً سوياً نافعاً بين مختلف فئات المجتمع ويشجعه على عدم العودة ثانية لارتكاب جرائم أخرى مما يحد بالضرورة من ظاهرة انتشار الجرائم بالمجتمع.

ولعل الغاية من العقوبة أن تكون للنهى والردع ، ويتطلب في عدالتها أن تكون على قدر الفعل أو تتناسب معه ، وإذا كانت العدالة هي الهدف ، فإن قياس العقوبة على قدر الجرم يصبح أمراً ذا أهمية بالغة ، وعادة ما يأخذ القانون هذا الاعتبار وغيره في الحسبان عند التشريع .. ويعمل القضاة في الغالب على مراعاة هذا الأمر عند إصدار الأحكام ، غير أنه في كثير من المجتمعات إن لم يكن أغلبها تجري الأعراف والممارسات الاجتماعية في غير هذا الإتجاه ، فالمتهم الذي تثبت إدانته ويصدر بحقه الحكم الجنائي المناسب عادة ما ينال المزيد من العقاب إجرائياً واجتماعياً بما يزيد على القدر المحكوم به عليه ومن أمثلة ذلك الوصمة التي تصيبه وتبقى معه لفترة طويلة فيحرم من العمل المناسب والحياة الكريمة رغم تكفيره عن خطئه وتوبته ، وإن ما يسمى بصحيفة السوابق تستخدم بدلاً من الغاية الإحصائية وغايات التحقيق الجنائي تستخدم في جعل هذه العقوبات الإضافية أمراً شبه رسمي.

وسواء أكان ذلك نتيجة للامبالاة أو تم عن غير قصد فإن الحقيقة تبقى بأن المجرم الذي قد قضى العقوبة الشرعية أو القانونية يعاقب إضافياً ويصبح ضحية هو بدوره للإجراءات والأعراف أحياناً.

إن رد الاعتبار هو حاجة ملحة ولازمة لتحقيق العدالة الأمر الذي يجب أن يتم في إطار التشريع والقانون المهذب للعرف والتقليد في المجتمعات التي يسودها العدل.

لذلك فإن الجريمة وصمه في جبين المجرم ومساس لا شك فيه بشرفه واعتباره ومدعاة لشك كبير في صلاحية مرتكبها للاندماج في المجتمع وانخراطه كعضو صالح فيه.

ولذلك فإن غالبية التشريعات الجنائية ترتب على ارتكاب الجريمة العديد من الآثار الجنائية كحرمان المجرم من التعيين في الوظائف العامة والتشريع للمجلس النيابية أو تولى الوصاية على غيره، إلى غير ذلك من الأمور التي تمس أهلية المحكوم عليه وصلاحيته للحياة أو التعايش الكامل في مجتمعه.

   ولأن الجريمة – مهما كان نوعها – هي في النهاية سلوك إنساني، ولأن السلوك الإنساني كما هو عرضة للانحراف، فهو عرضة كذلك لن يعود إلى نهج الاستقامة، فإنه كان من الطبيعي أن يتاح للمجرم – إن هو أقلع عن الجريمة وأعرض عن طريقها – الفرصة لأن يعود للاندماج في مجتمعه والعودة إليه مواطناً صالحاً، ولذلك فإن معظم التشريعات تأخذ بنظام رد الاعتبار.

   ونظام رد الاعتبار هو محو الآثار الجنائية المترتبة على صدور الحكم الجنائي بالإدانة بالنسبة للمستقبل بحيث يعامل المحكوم عليه كما لو كان لم يرتكب جريمة.

   ويقوم رد الاعتبار على فكرة أساسية هدفها قبول المجرم كعضو صالح في المجتمع إذا ما بدر منه من يحمل على الاعتقاد في استقامة سلوكه وإقباله على الاستقامة وبعده عن الانحراف.

   وينقسم رد الاعتبار إلى نوعين، أحدهما قانوني يقع بقوة القانون ودون حاجة إلى ان يتقدم المحكوم عليه بطلب بذلك أو يصدر بذلك حكم من القضاء، والآخر قضائي يصدر به حكم من القضاء بناء على طلب يتقدم به المحكوم عليه، ويمر هذا الطلب بمراحل إجرائية معينة وكل من رد الاعتبار القانوني ورد الاعتبار القضائي يفترض توافر عدة شروط حددتها التشريعات المختلفة.

   وهذه الشروط تدور كلها حول فكرة أساسية هي الاستيثاق من أن المحكوم عليه قد نبذ الإجرام وعاف الجريمة واستقام حالة، فعاد إلى مجتمعة مواطناً صالحاً.

   ويحصل هذا الاسيتثاق غالباً من مضى فترة معينة من الزمن – يختلف قدرها باختلاف نوع الجريمة التي ارتكبها المحكوم عليه ومدى تنفيذه للعقوبة من عدمه – دون أن يرتكب المحكوم عليه ثمة جرائم جديدة، إذ يدل ذلك دلالة قاطعة على أن المحكوم عليه لم يعد به للإجرام حاجة، وهذا ما يبرر نسيان ماضيه، وقبوله في المجتمع من الجديد.

   ويترتب على رد الاعتبار زوال جميع الآثار الجنائية للحكم الجنائي بالإدانة، فلا يظهر للجريمة من أثر في صحيفة السوابق الخاصة بالمحكوم عليه، ويسترد هذا الأخير كافة الحقوق والمزايا التي كان قد حرم منها نتيجة الحكم الجنائي بإدانته، ويعامل في المستقبل كما لو كان لم يرتكب جريمة من قبل.

   على أن زوال الآثار الجنائية للحكم الجنائي برد الاعتبار إنما يكون بالنسبة للمستقبل فقط، أي بالنسبة للفترة ما بعد الحكم برد الاعتبار، أما ما قبل ذلك فتظل كافة الآثار الجنائية المذكورة باقية.

   كذلك فإن زوال الآثار الجنائية للحكم نتيجة رد الاعتبار لا تأثير له على الحقوق المدنية التي يمكن أن تترتب على ارتكاب الجريمة ولذلك فإن الحكم برد الاعتبار لا يحول بين المضرور من الجريمة وبين رفع الدعوى المدنية مطالباً بالتعويض عن الأضرار التي حاقت به من جراء ارتكاب الجريمة، والاستناد في مطالبته بالتعويض على الحكم الجنائي الصادر بالإدانة، فإزالة الآثار الجنائية للحكم برد الاعتبار لا يعنى مطلقاً الاحاطة بحقوق المضرور من الجريمة، والذي ينشأ له الحق – في مواجهة المجتمع كله – بأن يجبر ما حاق به من الأضرار نتيجة وقوع الجريمة.

   وأخيراً فإن رد الاعتبار لا يقل أهميته عن توقيع العقوبة على المجرم، فكما عامل المجتمع المجرم على مقتضى إجرامه، فإنه من العدالة أن يعامله–وقد انصلح حاله–على مقتضى صلاحه.

   إن المجرم يفترض فيه أنه شخص مختل في سلوكه، منحط في أخلاقه، فالجريمة – كما ذكرنا – هي وصمة قادحة في عدالة الإنسان وطاعته في فضله.

   ومن ثم فإنه من الطبيعي أن يتخذ المجتمع في مواجهة المجرم من ردود الأفعال ما يكافئ جرمه ويعادل سقطته.

   ومن ردود الأفعال التي يتخذها المجتمع في مواجهة المجرم – فضلاً عن العقوبة الجنائية – إسقاط اعتباره في نظر المجتمع، وإزالة ما كان يتمتع به من مكانة اجتماعية.

   ولكن لأن كل ذنب قابل للتوبة وكل إثم قابل للمغفرة فإنه من الطبيعي أن يكون سقوط اعتبار المجرم وزوال مكانته الاجتماعية من نظر المجتمع لابد وأن يكون سقوطاً موفقاً غير مؤيد.

   فالمنحرف قد يستقيم، والمعوج قد يعتدل، ومن ثم فإنه يكون لزاماً على المجتمع أن يعود فينتقل المجرم بين صفوفه وينظر له نظرة الاعتبار والتكريم إن هو حاد عن طريق الجريمة وانتهج في حياته منهج الاستقامة، وهذا ما دفع العديد من مشرعي الدول المختلفة إلى سن نظام رد الاعتبار ليستطيع المجرم من خلاله أن يدفع عن نفسه غبار الجريمة ويطهرها مما علق بها من خزي الجريمة وعله ارتكابها، وذلك متى أثبت المجرم من خلال سلوكه اللاحق على تنفيذ العقوبة أو العفو عنها أو سقوطها بالتقادم أنه قد ثاب إلى رشده وعاد إلى صوابه، وكما أن للمجتمع حق في عقاب المجرم، فإن لهذا الأخير حق في التوبة والعودة إلى سلك الصالحين.

   وإن رد الاعتبار أصبح ضرورياً للمحكوم عليه، فرد الاعتبار هو إزالة آثار حكم الإدانة بالنسبة إلى المستقبل على وجه ينقضى معه جميع آثاره، ويصبح المحكوم عليه ابتداءً من رد الاعتبار فى مركز من لم تسبق إدانته.

   ويعنى ذلك أن من يحصل علي رد اعتباره يجتاز مرحلتين:

• السابقة على رد الإعتبار، وفيها يكون حكم الإدانة قائماً منتجاً جميع آثاره.

• اللاحقة على حصوله على رد اعتباره، وفيها يزول حكم الإدانة وتنتهى جميع آثاره ويفترض رد الإعتبار حكماً باتاً بالإدانة، بل إنه يفترض تنفيذ العقوبة التى قضى بها أو العفو عنها أوسقوطها بمضى المدة.

   ورد الإعتبار نظام قانونى، إذ يحدد القانون حالاته وشروطه وإجراءاته والمحكوم عليهم الذين يستفيدون من هذا النظام، وهو يرفع آثار الحكم الجنائى بالنسبة للمستقبل ويظل الحكم منتجاً جميع آثاره قبل رد الإعتبار."

بيانات الكاتب

مركز النظم المتميزة  للدر وخدمات البحث العلمي مركز النظم المتميزة للدر وخدمات البحث العلمي يُعد مركز النظم المتميزة للدراسات وخدمات البحث العلمي أحد المراكز العلمية المتميزة في مجاله لما يقدمه من خدمات راقية تغطي كافة احتياجات طلاب وطالبات الدراسات العليا ، حيث يضم المركز بين جنباته كفاءات علمية عالية تم اختيارها بدقة وعناية لتقديم أفضل الخدمات الممكنة، فمنذ تأسيسه عام 1421هـ وهو يسير بخطوات واثقة لمساعدة طلاب الدراسات العليا، ومد يد العون لهم، في كافة المجالات والتخصصات ، من مختلف المراحل الماجستير والدكتوراه.
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة

علامات مرتبطة:

لا توجد علامات لهذا الموضوع

من اختيارات المحررين

أريج حامد قمصاني عين شمس التجارة الاقتصاد ماجستير 2007 ... تفاصيل أكثر
أحمد محمد بادي المزروعى عين شمس التجارة المحاسبة والمراجعة الماجستير 2006 ... تفاصيل أكثر
عين شمس التجارة اداره الاعمال ماجستير 2000 ... تفاصيل أكثر
القاهــــــــــرة الحقــــــــــوق القانون العــــــام الدكتوراه 2007 ... تفاصيل أكثر
راشد محمد راشد الشحي جامعة آل البيت- معهد بيت الحكمة- العلوم السياسية ... تفاصيل أكثر

من المقالات الجديدة

تحسين كفاءة وفعالية المراجعة الداخلية لفحص عقود التشغيل في القطاع الصحي بالمملكة العربية السعودية

أحمد محمد بادي المزروعى عين شمس التجارة المحاسبة والمراجعة الماجستير 2006

المتغيرات الاجتماعية والبيئية المرتبطة بتوطين الصناعة بمدينة جدة بالمملكة العربية السعودية

مروان محمد سعيد كامل عين شمس معهد الدراسات والبحوث البيئية العلوم الانسانية الماجستير 2006

الآثار الاقتصادية لتطبيق نظم الإدارة البيئية علي المنشآت الصناعية في المملكة العربية السعودية

ماهر كمال فارس عين شمس معهد الدراسات والبحوث البيئية الاقتصاد والقانون الدكتوراه 2008

التحكيم في العقود الإدارية في الكويت دراسـة مقارنـة- خالد فلاح عواد العنزي

القاهــــــــــرة الحقــــــــــوق القانون العــــــام الدكتوراه 2007

أثر المتغيرات الاقليمية على السلوك الخارجي لدولة الإمارات العربية المتحدة (2010-2019)

راشد محمد راشد الشحي جامعة آل البيت- معهد بيت الحكمة- العلوم السياسية
Powered by ePublisher 2011