نظام المحلفين – دراسة مقارنة
ممدوح محمد السيد فايد بدر عين شمس الحقوق القانون الجنائي الدكتوراه 2003
ملخص الدراسة:
يعد نظام القضاء الشعبي بصفة عامة ونظام المحلفين بصفة خاصة من الموضوعات التي أثارت جدل كبير بين رجال الفقه والقضاء سواء على مستوى الدول أو على الصعيد المحلى. وعلى الرغم من انتشار نظام المحلفين فى كثير من دول العالم – بالأخص فى القرنيين الماضيين – إلا انه قد تعرض لكثير من الجدل، وما زال يحتل مركزا مرموقا فى مناقشات رجال الفقه والقضاء فى تضارب واضح بين مؤيدين ومعارضين. حتى فى الدول التى تعتبر أساس لهذا النظام وهى إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية. وكنتيجة لهذا كان نظام المحلفين موضوعا لهذه الرسالة، لبيان مدى نفعه وملاءمته للإبقاء، أو استبعاده وإلغائه.
وقد استعرضنا فى هذه الدراسة ابرز ملامح نظام المحلفين فى الأنظمة القضائية المقارنة. وقد رأينا أن نقطة البداية لبحث موضوعنا تقتضى منا التمهيد له بتحديد ماهية نظام المحلفين، وبيان أهم الخصائص المميزة له، ثم التمييز بينه وبين غيره من الأنظمة القضائية المشابهة له.
وقد انتهينا إلى أن نظام المحلفين يعد من أشهر الأنظمة القضائية التى يشترك فيها الشعب فى إقامة العدالة، وأكثرها تطبيقا. فقد بدأ تطبيق نظام المحلفين فى إنجلترا منذ عام 1215 أثناء الغزو النورماندى لها. ثم انتقـل إلى الولايات المتـحدة الأمريكـية مع نقـل الـقانون العـام الإنجليزىThe common law. ثم نقلته الثورة الفرنسية فى أواخر القرن السادس عشر عن طريق تشكيل محكمة جنايات أطلق عليها la cour d’assises. ثم انتقل بعد ذلك إلى عدد من الدول الأوربية، منها على سبيل المثال إيطاليا، أسبانيا، النمسا، البور تغال، وبعض المقاطعات السويسرية. كما طبق كذلك فى بعض الدول التى كانت خاضعة للنفوذ الإنجليزى، كالهند واسكتلندا وايرلندا. وبعض الدول التى كانت خاضعة للنفوذ الفرنسى، كالجزائر والمغرب وتونس، وغيرها من الدول.
وقد بحثنا نظام المحلفين فى أهم الأنظمة القانونية التى أخذت به. فاهتممنا بإيضاح طرق اختيار أعضاء هيئات المحلفين فى ضوء القانون المقارن، وقد اقتضى منا هذا البحث أن نبدأ أولا بتحديد شروط الصلاحية الواجب توافرها فى الشخص المرشح للعمل كمحلف، ثم بيان حالات موانع الصلاحية وحالات التعارض المهنى، ثم أبرزنا طرق تكوين هيئات المحلفين فى القانون المقارن، وخلصنا إلى نتيجة مفادها مرور عملية تكوين هيئات المحلفين بثلاث مراحل. مرحلة أولى متعلقة بتكوين قوائم المحلفين السنوية، ومرحلة ثانية متعلقة بتكوين قوائم محلفى الجلسة، ومرحلة أخيرة تتكون فيها هيئة المحلفين التى ستنظر القضية المعروضة.
وبعد أن انتهينا من هذه الأركان اتجهنا لبحث أنواع هيئات المحلفين. ووصلنا إلى أنه يوجد نوعان من هيئات المحلفين: أولهما هيئة محلفى الاتهام، وتسمى هيئة المحلفين الكبرى The grand jury، والثانية هيئة محلفى الحكم وتسمى هيئة المحلفين الصغرى The petit jury.
ولأهمية موضوع المداولات وإصدار قرار المحلفين، خصصنا له جزءا مستقلا فى هذه الدراسة. وانتهينا إلى وجود ثلاثة أنواع من الأساليب التى تتم بها مداولات المحلفين. الأسلوب الأول وفيه تشترك هيئة المحلفين مع هيئة المحكمة فى التداول والتصويت على كل المسائل المتعلقة بالقضية سواء الخاصة بالوقائع أو الخاصة بتطبيق القانون، وقد طبق هذا الأسلوب فى عدة تشريعات قضائية اخترنا منها للعرض والتحليل النظام الفرنسى الذى طبق هذا الأسلوب منذ عام 1932. وفى الأسلوب الثانى تختص هيئة المحلفين بالتداول والتصويت للفصل فى المسائل المتعلقة بالوقائع، وعندما تصل إلى قرار بإدانة المتهم تتداول مع هيئة المحكمة لتحديد مقدار العقوبة، وقد طبق هذا الأسلوب فى عدة تشريعات قضائية، منها بلجيكا والنمسا وسويسرا. وأخيرا الأسلوب الثالث وفيه تختص هيئة المحلفين بالتداول للفصل فى مسائل الوقائع تاركة لهيئة المحكمة تطبيق القانون لتحديد العقوبة الواجب تطبيقها فى حالة صدور قرار من المحلفين بالإدانة، وقد طبق هذا الاسلوب فى عدة تشريعات قضائية، منها الولايات المتحدة، إنجلترا، كندا، ألمانيا، أسبانيا، إيطاليا، الهند.
وبعد أن وصلنا إلى هذه المرحلة وجدنا انه لزام علينا أن نتعرض لتقدير نظام المحلفين، فأبرزنا مختلف الآراء حول نظام المحلفين، حيث تعرض نظام المحلفين لجدلا الواسع فى الفقه المقارن، فانقسمت الآراء إلى اتجاهين، أولهما يعارض بشدة تطبيق نظام المحلفين، بينما الاتجاه الثانى يرى أن نظام المحلفين من أهم واحسن الأنظمة القضائية التى يجب التمسك بها. ولكل من هذين الاتجاهين حججه وبراهينه التى يستند عليها، وقد عرضنا لهذه الحجج ورددنا عليها فى الإطار الذى تسمح به أبعاد هذه الدراسة.
وبعد أن فرغنا من بحث نظام المحلفين على هذا النحو، انتقلنا إلى ببحث موضوع هام كثيرا ما شغل ذهن الفقهاء المصريين، وهو مدى ملائمة تطبيق نظام المحلفين فى مصر. وقد مهدنا لذلك بتحديد سوابق مصر فى قضاء غير المتخصصين منذ القرن التاسع عشر إلى الآن. وظهر لنا أن مصر عرفت عدة أنظمة قضائية يدخل ضمن تشكيلها عناصر غير متخصصة القانون. ولمعالجة هذه الأنظمة قسمنا هذه الفترة إلى مرحلتين: أولهما وهى الفترة التى تبدأ منذ صدور قوانين الإصلاح القضائى عام 1881م وحتى قيام ثورة 1952م، وفيها طبقت المجالس الحسبية، المحاكم المختلطة، قضاء الحدود، محاكم الاخطاط. أما الفترة الثانية وهى من قيام ثورة 1952م إلى الان، وقد عرفت هذه الفترة بعض التجارب لإشراك الشعب فى القضاء ومنها لجان الفصل فى المنازعات الزراعية، مجالس الصلح، وأخيرا محكمة الحراسة ومحكمة القيم.
وقد انتهينا إلى أن هذه الأنظمة تختلف عن نظام المحلفين – باستثناء المحاكم المختلطة الجنائية – وان هذه الأنظمة قد طبقت فى مصر فى فترات زمنية معينة ونتيجة لظروف معينة كانت تمر بها مصر. ولكن هذه الأنظمة لم يستمر تطبيقها كثيرا حيث ظهر فشلها، وتم إلغاؤها، حتى ما تبقى منها إلى الآن يتعرض للنقد الشديد.
وإذا ما فرغنا من سوابق مصر فى قضاء غير المتخصصين، تعرضنا لآراء الفقهاء المصريين فى مدى ملائمة تطبيق نظام المحلفين فى مصر، ووجدنا من خلال الدراسة أن هذه الآراء تنقسم إلى ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول يرى أن نظام المحلفين لا يصلح للتطبيق فى مصر، وذلك لأسباب منها أن الدعوى إلى تطبيق نظام المحلفين فى مصر تخفى وراءها أغراض سياسية بعيدة المدى، كما وان نظام المحلفين لا يتفق مع تقاليدنا وفلسفتنا لعدم اتصاله بواقع بلدنا نشأة وتطبيقا، حيث أن البيئة المصرية فى ريفه ومدنه تحكمها روابط اجتماعية وأسرية ذات صفة مغايرة للبلاد التى أخذت بهذا النظام. كما أن المواطن المصرى قد وجد فى قضاته المتخصصين ملاذه الذى يلجأ إليه كلما احتاج الأمر إليه، حيث أن القضاة هم أبناء هذا الشعب الذى عهد إليهم بولاية السلطة القضائية. وقد استدل أصحاب هذا الرأى بتجارب مصر مع القضاء الشعبى التى ثبت عدم صلاحيته من خلالها.
والاتجاه الثانى – ويتزعمه الدكتور جمال الدين العطيفى – يرى أن نظام المحلفين – أو على الأرجح نظام القضاء الشعبى – يجب تطبيقه فى مصر. ويضيف أصحاب هذا الرأى انه إذا كان هذا النظام لم يحقق الغرض منه فى الدول الغربية، فذلك يرجع إلى طبيعة النظام الرأسمالي وليس إلى عيب فى النظام القضاء الشعبى ذاته. ولهذا يقترح أصحاب هذا الرأى إشراك الشعب فى إدارة العدالة ومباشرة القضاء. وقد لاقت هذه الفكرة التأييد لدى بعض فقهاء البلدان العربية مثل ليبيا والسودان.
أما الاتجاه الثالث فقد وقف بين هذين الاتجاهين، وقال أصحابه بملائمة تطبيق نظام المحلفين فى النظام القضائى المصرى فى بعض الحالات. وانقسم أصحاب هذا الاتجاه على أنفسهم إلى ثلاث فرق، الفريق الأول يقترح تطبيق نظام المحلفين فى النظام القضائى المصرى تبعا لدرجة المحكمة، فنطبقه فى المحاكم الجزئية دون المحاكم الابتدائية أو محاكم الاستئناف أو محكمة النقض. والفريق الثانى يقترح تطبيقه تبعا لنوع الدعوى، وحتى هؤلاء لم يتفقوا على أنواع الدعاوى المقترح أن تنظر أما هيئة محلفين، وانحصرت آرائهم فى اقتراح إدخال نظام المحلفين فى نظر دعاوى الأحوال الشخصية، منازعات العمال، القضايا التجارية، المنازعات الزراعية، منازعات إيجار الأماكن، مجالس الصلح، المنازعات البسيطة، ومنهم من اقترح إدخال نظام المحلفين فى النطاق الجنائى. أما الفريق الثالث، فاقترح إشراك الشعب فى القضاء تبعا لمرحلة نظر الدعوى، حيث يمكن – على حسب رأيهم – تصور إشراك الشعب فى القضاء على شكل مشورة للقاضى، وحتى أصحاب هذا الرأى انقسموا على أنفسهم، فمنهم من يرى إمكانية إشراك أعضاء من الشعب بصفة استشارية فى نظر القضية، ومنهم من يرى إمكانية إشراكهم فى مرحلة سابقة على نظر الدعوى، وآخرين يرون إشراكهم بعد الانتـهاء من المرافعـات وقبل صدور الحـكم، أو إشراكهم فى مرحلة لاحقة لصدور الحكم.
وعلى هذا النحو اختتم بحث نظام المحلفين. واتضح لنا من خلال هذه الدراسة أن نظام المحلفين يتعذر تطبيقه فى مصر، وذلك لعدة أسباب، أهمها:
أولا: عدم ملائمة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لتطبيق هذا النظام فى مصر.
ثانيـــا: عدم استعداد الشعب لتطبيق نظام المحلفين.
ثالثـــا: عدم ملاءمته للنظام القضائي المصري.
رابعــا: عدم اتساقه مع الروابط الاجتماعية فى المجتمع المصري.
خامسا: عدم اتساق نظام المحلفين مع الفقه الإسلامي.
سادسا: استقلال القضاة فى مصر. وتمثيلهم لكل لطبقات المجتمع.
سابعــا: تطبيق مبدأ استعانة القاضي بالخبراء مفيد عن تطبيق نظام المحلفين.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة