فعالية برامج الرعاية الاجتماعية في تنمية السلوك التوافقي لدى الأحداث الجانحين بمؤسسة الوحدة الاجتماعية لرعاية الأحداث بمحافظة الإسكندرية
أسامة محمد عبد الحميد الإسكندرية التربية الصحة النفسية ماجستير 2009
ملخص الدراسة:
إن جنوح الأحداث ظاهرة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية ففي كل مجتمع يخرج بعض أطفاله عن معاييره وقيمه وقوانينه التي ارتضاها لنفسه من أجل ضبط إيقاع الحياة فى ظل تطورات المجتمعات الإنسانية وما تتسم به من تعقيدات. وتعتبر مشكلة الأحداث الجانحين ظاهرة اجتماعية تعاني منها المجتمعات البشرية القديمة والحديثة على اختلافها فى الطبيعة والحجم والشكل(السيد شتا، 1997: 218).
وتعد هذه الظاهرة الآن من أخطر التحديات التى تواجه المجتمع الدولي، ورغم الجهود التى تمتد منذ الإعلام العالمى الخاص بحقوق الطفل والصادر سنة (1959) وحتى اتفاقية حقوق الطفل عام (1989)، فإنه لم يتحقق تقدم ملحوظ تجاه مواجهة هذه الظاهرة التى مازالت تحتل مكان الصدارة على قائمة التحديات التى يواجهها العالم، وتعكس المؤشرات المردودات السلبية المباشرة لهذه الظاهرة، والتى تتمثل فى زيادة إجرام الصغار، بمعدلات بالغة السوء، وزيادة كونهم ضحايا للعصابات الإجرامية المنظمة(سناء خليل، 1994 : 2).
ويتضح من ذلك أن ظاهرة الاحداث الجانحين ظاهرة اجتماعية تعانى منها جميع المجتمعات البشرية وتهدد كيان المجتمع، وتعتبر من أخطر الظواهر الاجتماعية ولم تلقى حتى الآن الاهتمام الواعى من كثير من المجتمعات .
فحدث اليوم هو رجل الغد وعدة المجتمع في المستقبل نحو التقدم والرقي، ومن ثم فإن ظاهرة الاحداث الجانحين تُعد مشكلة خطيرة تهدد كيان المجتمع وتؤثر فى سلامته وأمنه ومستقبله، وهي في ذات الوقت مشكلة متزايدة، حيث تشير تقارير المؤتمرات الدولية للوقاية من الجريمة المنعقدة فى العشر سنوات الأخيرة إلى أن مشكلة الاحداث الجانحين تأتي في مقدمة المشكلات الاجتماعية التي تواجهها المجتمعات المعاصرة(علي القهوجي، فتوح الشاذلي، 1997: 229).
ومع تقدم المجتمعات تطورت وتعددت المتغيرات المؤثرة فى سلوك الاحداث وأصبح من هذه الفئة العمرية أعداد ليست قليلة، محسوبة على المجتمع، يؤثرون فيه، ولذا أصبح دور المؤسسات الاجتماعية ليس حجزهم فقط، بل علاجهم وتعديل سلوكهم عبر برامجها العلاجية والإصلاحية حتى يصبحوا عناصر صالحة وفاعلة لمجتمعهم، ومن أجل ذلك أبرزت المجتمعات أهمية الإصلاح والتأهيل، وأكددت على برامج العناية والرعاية، والتركيز على تدريبهم وتأهيلهم وإصلاحهم، وإكسابهم المعرفة، وغرس السلوكيات والأخلاقيات المقبولة اجتماعيا(عبد الله اليوسف، 2004: 7).
فنرى أن الحدث المنحرف لا يعتبر جانياً بل مجنياً عليه فهو غالباً ما يتجه إلى طريق الانحراف والإجرام نتيجة للظروف الاجتماعية والبيئية المحيطة به وليس لشر متأصل فى نفسه، فعلينا معالجة الحدث بالتدابير الاجتماعية السليمة والتى لا تتعلق بمعنى الإيلام ولا تنطوى على عقوبات، وفى بعض الحالات قد يرتكب الحدث الذى يجاوز عمره خمسة عشرة سنة أفعالاً تشكل خطورة على المجتمع فقد لا تكفى التدابير الاجتماعية لإصلاحه وهنا يجب أن تقرر عقوبات مناسبة مع استبعاد عقوبتي الإعدام والأشغال الشاقة (احمد المهدى، أشرف شافعى، 2005 : 5).
ويتضح من ذلك أن الهدف ليس حجز الاحداث فقط بل يجب توفير البرامج العلاجية والإصلاحية والتدابير الاجتماعية السليمة وتضافر جميع الجهود حتى يصبحوا عناصر صالحة وفاعلة لمجتمعهم، فهم فى أمس الحاجة للرعاية والتوجيه السليم.
وقد انتشرت الآراء التي تنادي بأن إنقاذ هؤلاء الصغار يمثل الخطوة الأولى والأساسية فى مكافحة الجريمة والوقاية منها في المجتمع، ويوفر عشرات الملايين من الجنيهات التي تنفق فى تعقب المجرمين وإنشاء السجون(حسين رشوان، 1995: 84).
والإجرام عند الاحداث لا تنعكس خطورته على أمن وسلامه المجتمع، بل يعكس أيضاً الخلل القائم فى الأسس الاجتماعية والقانونية والثقافية والحضارية القائمة . فالاحداث المنحرفون يمثلون مشكلة قانونية وقضائية فى المجتمع، وتمثل هذا فى ازدياد عدد القضايا والمخالفات التى يرتكبونها نتيجة الاستغراق فى ممارسة ألوان السلوك المنحرف، الأمر الذى يتطلب مزيداً من الدراسات والإجراءات البوليسية والقضائية لمواجهة هذه المشكلة التى تتجه فى الوقت الحاضر ليغلب عليها الطابع الاجتماعى (على جعفر، 2004 : 8).
وفي مايو (1990)، قرر البرلمان الدانمركي ـ وكثير من الدول المتقدمة ـ بأن الاحداث الجانحين الذين بلغ أعمارهم من (15 ـ 17) سنة ، يجب الاهتمام بهم ووقايتهم وتقوية ضمائرهم الأخلاقية وذلك لمنعهم من الوقوع في الجريمة مرة أخرى، وأيضاً يجب إلحاقهم ببعض الأعمال التي تناسبهم ومتابعتهم أثناء العمل، وإشراكهم في بعض البرامج الفعالة التي تشغل وقت فراغهم، والحدث الذي لديه استعداد للدراسة يجب إلحاقه بالتعليم أو فتح فصول محو الأمية مخصوصة لهم.
(Snare , 1991 :77- 78 )
ويتضح من ذلك أن هذه المشكلة أهم ما يسلب الطفولة حقها فى الحياة والاستمتاع – بما يستمتع به أقرانهم – في هذه المرحلة العمرية، الأمر الذي يحرم هؤلاء الأطفال من حقهم مما يجعلهم يتخذون موقفاً عدائياً من مجتمعهم الذي حرمهم مما تمتع به أقرانهم .
وتختلف ردود فعل الجانحين داخل المؤسسات بشأن توافقهم مع الحياة الجديدة التي فرضت عليهم، فمنهم من يتوافق ويندمج ويقيم علاقات إيجابية مع الأخصائيين الاجتماعيين وفريق العمل داخل المؤسسة ويتفاعل مع زملائه بصورة إيجابية، وهناك فئة تتوافق بعد مدة من الزمن تمر خلالها بفترة من التذبذب والتجاذب الوجداني ذلك هو حال الذين انحرفوا نتيجة لأزمات أسرية عابرة بعد أن نمت شخصياتهم قبل أن تواجه أسرهم هذه الأزمات، أما تلك الفئة التى ذهبت بعيداً فى الانحراف وتمثلت فى الثقافة الجانحة فتلك التي تعاني من اضطرابات شخصية هامة نابعة من مرض الأسرة ورداءة المحيطين بهم فتصادف صعوبات كبيرة فى التوافق الاجتماعي. ولقد أثبتت نتائج الدراسات والبحوث العلمية المتطورة التي تأخذ في اعتبارهم المتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية والنفسية إلى ضرورة البحث عن عوامل عدم توافقهم الاجتماعي وجنوحهم للجريمة وعدم اندماجهم مع المحيطين بهم(عصام فتح الباب، 2004: 1917-1918).
ويرى الباحث أن خطورة جناح الاحداث تتضح في تعدد الجوانب المرتبطة بها وفي تعدد ألوان السلوك الجانح الذي يأتي بين الجانحين وأثرها على الأوضاع الاجتماعية والخلقية والاقتصادية والقانونية في المجتمع الذي يعيشون فيه .
إن مشكلة الاحداث الجانحين ذات أهمية خاصة، حيث ينظر لهذه المشكلة باعتبارها من المشكلات المهمة فإنها تحتاج إلى مزيد من الدراسات والبحوث المتعمقة التي تفيد عند وضع سياسات الرعاية الاجتماعية والبرامج الخاصة بمواجهة هذه المشكلات، والخدمة الاجتماعية بممارستها في مجال الدفاع الاجتماعي وخاصة مع الاحداث الجانحين تلعب دوراً هاماً في إعادة التأهيل الاجتماعي لفئات انحرفت عن السلوك السوي لكي يتوافقوا مع المجتمع(يسري حسنين، 1995 : 558).
والخدمة الاجتماعية أيضاً تهتم بالرعاية الاجتماعية للأحداث لما لها من أثر فعال في تنمية السلوك التوافقي لدى الاحداث الجانحين ولذا فهي تؤكد على تدعيم العلاقات بين الاحداث ببعضهم من ناحية وبين الاحداث وأسرهم من ناحية أخرى وبينهم وبين المجتمع من ناحية ثالثة وذلك من خلال توثيق علاقة الحدث بالمؤسسات الاجتماعية الأخرى(عبد المنعم السنهوري، 1995 : 31-32).
إن حياة الإنسان لا تكون طبيعية إلا إذا كانت في جماعة ينظم من خلالها حياته الخاصة وعلاقاته بأسرته، ولهذا فإْن حرمان الحدث من الوسط الاجتماعي الذي كان يعيش فيه يقف حجرة عثرة أمام تنظيم حياته كما كانت عليه قبل إيداعه بالمؤسسة، وحيث كانت معاملة الاحداث في الماضي الردع والإيلام، لم يكن هناك محل للتفكير في مساعدتهم على تنظيم حياتهم بأسلوب يؤدى إلى سرعة اندماجهم في المجتمع عقب الإفراج عنهم، وتشمل أساليب الرعاية الاجتماعية للأحداث استقبال الحدث، وبحث حالته بمجرد إيداعه بالمؤسسة ومساعدته على حل مشاكله، وتنظيم كل من حياته الجماعية داخل المؤسسة، واتصالاته الخارجية بالإضافة إلى الاهتمام بعملية إعداده للإفراج عنه(السيد رمضان، 2003 : 354- 355).
ويتضح من ذلك أن الرعاية الاجتماعية تبدأ باستقبال الحدث الذي يأتي إلى المؤسسة وهو مشحون بانفعالات الخوف والقلق ويقوم باستقباله الأخصائي الاجتماعى الذي يعمل على تخفيف مخاوفه وعلى إعادة بعض الثقة والطمأنينة إلى نفسه ومحاولة تهيئته للاندماج في حياته الجديدة. ثم توضع برامج النشاط الاجتماعي بقصد إعادة تأهيلهم اجتماعيا وإعدادهم للعودة إلى الحياة في المجتمع من جديد، وفي سبيل تحقيق التوافق الاجتماعي يعيش الأبناء في المؤسسة في صورة أقرب ما تكون إلى الحياة في المجتمع.
وهناك مشكلات عديدة تواجه الرعاية الاجتماعية للأحداث، يبدو في مقدمتها عدم توافر الإمكانيات المادية اللازمة مثل المباني والمرافق، كما أن الجهاز الإداري والفني بالمؤسسات ينقصه التأهيل الكافي والحماس اللازم لأداء المهنة وممارستها، بالإضافة إلى تضخم هذا الجهاز يزيد من الأعباء المالية، هذا إلى جانب مشكلات أخرى منها الروتين والبيروقراطية وعدم التنظيم داخل المؤسسة(غريب سيد أحمد، 1999 : 127).
وعلى الرغم من اهتمام وزارة الشئون الاجتماعية برعاية الاحداث في مؤسسات خاصة بهم، فإن ذلك لم يمنع أو يخفف من تفاقم مشكلة الاحداث، وهذا يعود إلى قلة مؤسسات رعاية الاحداث وأسلوب إدارتها ونقص الرعاية التي يقدمها البعض منهم(محمد فهمي، 1995 : 715).
ويتضح مما سبق أن هذه الفئة تحتاج للعديد من برامج الرعاية لمواجهة الحياة والتوافق معها ومن أهم هذه البرامج برامج الرعاية الاجتماعية ، والتى تشبع رغبات وحاجات الاحداث إلى الأمن والانتماء والتقدير وتوكيد الذات والتعبير عن المشاعر من ناحية ، وتخفف من التوتر والقلق والسلوك العدوانى من ناحية أخرى. ومن أمثله هذه البرامج ، البرامج الاجتماعية ، البرامج الرياضية ، البرامج الدينية.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة