اداره التغيير التربوي في المدرسه الثانويه العامه ب.ج.م.ع باستخدام مدخل اعاده الهندسه
هاله عبد المنعم احمد سليمان عين شمس التربية التربية المقارنة والإدارة التعليمية دكتوراه 2005
"التغير سنة الحياة، ويبدو أنه أصبح سمة أساسية في حياتنا اليومية، فهناك عوامل كثيرة من حولنا تعكس التغيير، وقد يتطلب الأمر في بعض الأحيان إحداث التغيير, بل واستباقه، ومع التغييرات العديدة المتلاحقة التي تشهدها المجتمعات أصبح على كل بلد - من حين لآخر- إجراء إصلاح لنظامه التعليمي, على أنه أيا كان المدى الذي تذهب إليه هذه الإصلاحات، فمن المحتمل أن يحتفظ التعليم المدرسي في المستقبل بالوظائف الرئيسية التي يطلع بها اليوم، إلا أنه سوف يتوقف بقاؤه بشكل أساسي على قدرتنا على الحفاظ على جودة التعليم، وملاءمته لمتطلبات العصر.( )
فلقد أدركت المجتمعات أن التفوق والسبق الدولي يبدأ من المدرسة، و أن "" مفتاح هذا التقدم هو المعلم والمنهج الدراسي الذي يسعى إلى تغيير الذهنية، وتكوين مهارات التفكير الناقد، وثقافة الإبداع لا ثقافة الإيداع""( ).
ومع الاعتراف بأن المدرسة هي الوحدة الأساسية للتغيير التربوي في المستقبل ( ), أصبح تغيير المدرسة ضرورة ملحة, وشاغلا يوميا، وهما دائما للمجتمع، و تعتبر الإدارة مسئولة مسئولية كبيرة تجاه هذا التغيير، فعن طريقها يمكن إدارة التغيير و إحداث تطوير حقيقي وجذري بالمدرسة لا يقتصر على الحاضر فقط؛ بل يتناول أيضا المستقبل.
وتدعو الضرورة للتغيير عندما لا تعود الأساليب والممارسات متناسبة مع الأهداف المتوخاة لأن الزمن قد تجاوزها, أو لأنها لم تكن مناسبة أصلا فيما مضى, هنا تزداد دواعي التغيير وتصبح أكثر إلحاحا عما كانت عليه في أي وقت مضى، لأنه إذا كان ثمن التغيير باهظا؛ فإن ثمن عدم التغيير يزداد فداحة.( )
ومن الجدير بالذكر أن ""حركة المدرسة في اتجاه المستقبل مستمرة، ولكنها حركة هادئة وروتينية؛ إلى أن تستثيرها قوة من داخلها (اضطرابات التلاميذ المتكاثرة في أيامنا)، أو خارجية (الإدارة المركزية) عند شعورها بان الجماعة صارت غاضبة من تخلف مدرستها""( )، والمدرسة – كأية مؤسسة اجتماعية – تعد نقطة التقاء وتوازن بين قوى كثيرة، تدفعها وتحثها نحو التغيير، وهنا يجب علينا ألا نفكر في إحداث التغيير فقط؛ بل في الكيفية التي يمكن بها إدارة هذا التغيير وتوجيهه الوجهة المرغوبة.
و بدأت إدارة التغيير التربوي ""بالتركيز على المدخلات من خلال التوسع التعليمي في فترة الستينيات، ثم بدأت فترة أخرى أخذ العالم فيها يتابع نواتج ما أنفق على التعليم من خلال دراسة العلاقة بين مدخلات التعليم ومخرجاته، وفى فترة الثمانينيات وما بعدها تزايد الاهتمام بالبحث عن مداخل جديدة لتطوير وتحسين جودة التعليم، وربطه أكثر بالمستقبل، وهنا بدأ التركيز على العمليات Processes ، وجاء من بين تلك المداخل مدخل التطوير التنظيمي، ومدخل إدارة الجودة الشاملة ""( ).
ومع تطور الفكر الإداري ظهر مع مطلع التسعينيات مفهوم إداري جديد، ينصب أساسا على تحسين العمليات الخاصة بالمنظمة، وهو يعنى بـ ""إحداث تغيير جذري في بعض أو كل عمليات المنظمة؛ بهدف تحقيق تحسينات جوهرية فائقة في ضوء المعايير الأساسية للأداء""( )، ذلك هو مفهوم إعادة هندسة نظم العمل Business Processes Reengineering، أو ما اصطلح على تسميته في الترجمات العربية ""الهندرة"" للتخفيف وتيسير التصريف اللغوي لها.
ويؤيد ""أحمد شوقي"" الأخذ بمدخل إعادة الهندسة لإحداث التغيير الجذري حيث يرى أن ""الوصول إلى غد أفضل يستلزم إعادة هندسة أكبر عنصر قادر على إحداث قيمة إيجابية مضافة في تحسين منظومة المجتمع ككل، أو قطاعاتها المختلفة""( ).
وتتيح إعادة الهندسة تغيير المدرسة تغييرا جذريا يوصل إلى الملامح المأمولة لمدرسة المستقبل، والتي ""لن تكون أبدا مدرسة نمطية، أو في شكلها التقليدي؛ المتمثل في مجموعات قاعات الدروس والمختبرات، وبعض الأماكن والأفنية لممارسة بعض ألوان من النشاطات، وإنما بجانب ذلك – وفي أغلب الأحوال- سوف تمارس مدرسة المستقبل فاعليتها في المزارع والمصانع والبنوك، وقد تمارس فاعليتها عن طريق الاتصال بين جميع أطراف العملية التعليمية، وهم موجودون في منازلهم، ومصايفهم، أو منتجعاتهم، أو أماكن استشفائهم، أو تجمعات أعمالهم، أيضا قد تودي مدرسة المستقبل أدوارها من خلال مواقع افتراضية يختارها المتعلم بنفسه""( ).
وتحوي إعادة الهندسة داخلها الكثير من نظريات الإدارة؛ فهي تؤكد على البدء بالعمليات الجوهرية ذات القيمة المضافة، وعلى دمج تكنولوجيا المعلومات في هذه العمليات والعمليات المساعدة لها، كما تؤكد على إعادة التفكير في الحدود بين العمليات المختلفة، وفي حدود هذه العمليات لدى الموردين والعملاء, كما تعيد التفكير في فوائد كل من المركزية واللامركزية بالنسبة لأداء العمليات, كذلك تأخذ في اعتبارها تجزئة مدخلات العمليات بما يحقق تدفق متزامن في أنشطة كل عملية، كما تؤكد على تمكين العاملين، ومنحهم صلاحية اتخاذ القرارات، كذلك تعيد التفكير في حدود الرقابة بالمنظمة.( )
كما تهتم إعادة الهندسة بإشباع حاجات العاملين, وتنمية قدراتهم, واعتبار التعلم أداة لتحسين الأداء بالمدرسة، واستخدام التدريب كأداة لمواجهة التغيير والتعامل معه، وإتاحة الفرص لإيجاد قيادات فعالة، وتحقيق الاستثمار الأمثل في الموارد البشرية، وإيجاد بنى وهياكل تيسر أداء العمل، وإعطاء الصلاحيات للقائمين بأداء الأعمال، بما يحقق إشباع حاجات المستفيدين من الخدمة التعليمية.( )
ويكتنف كثير من المديرين الخوف من محاولة تطبيق إعادة الهندسة، والذى مرجعه عدم توخي هؤلاء المديرون الوقت المناسب لإجراء إعادة الهندسة, فكثير منهم يشرع في إعادة الهندسة وقتما تكون المؤسسة على حافة الانهيار, بينما ""إعادة الهندسة هي طريقة خاصة لاستخدام عقولنا من أجل تركيز انتباهنا في أعمالنا، وليست علاجا سحريا للأزمات""( ).
وتعتبر العملية Process أبرز ما تركز عليه إعادة الهندسة, والعملية هي مجموعة الإجراءات والأنشطة المتكاملة التي ينتج عنها شيء له قيمة للمستهلك في النهاية, وفي إطار إعادة الهندسة يتم تجاوز التقسيمات التقليدية للأعمال وتتناولها بنظرة تكاملية, ( ) وهذا ما يجب أن يركز عليه مديرو المدارس عند الشروع في إعادة هندسة مدارسهم.
ومع تركيز إعادة الهندسة على العمليات، نجدها تعطي اهتمام مماثل لإعادة هندسة الذهنية Mind-sets؛ أي الطريقة التي يفكر بها الأفراد تجاه موقف معين، وإمكانية إحداث تحول في الإطار الفكري ""البراديم"" الخاص بتفكيرهم.( )
وتشير الكتابات التربوية إلى أن المنهج، والمعلمين، والميزانية، هي أكثر الجوانب أساسية بالمدرسة؛ خاصة عند تناول المدرسة منفردة بالتغيير باعتبارها وحدة قائمة بذاتها( )؛ لذا فإن عمليات إدارة المنهج, والتنمية المهنية للمعلم، وإدارة الموارد المالية الخاصة بالمدرسة؛ تمثل أكثر العلميات جوهرية في تحقيق وظيفة المدرسة من جهة, ورضاء الطالب وأسرته من جهة أخرى، بالإضافة إلى النقد الشديد الموجه لهذه العمليات واعتبارها عمليات مختلة في كثير من المجتمعات من جهة ثالثة, ومن ثم تمثل هذه العمليات الثلاث فرصة لتناولها بالتغيير باستخدام مدخل إعادة الهندسة.
وتلعب تكنولوجيا المعلومات دورا هاما في إتمام إعادة هندسة عمليات المدرسة؛ حيث يمكنها ""المعاونة في القيام بأعمال لم يكن بالاستطاعة تحقيقها من قبل، والمعاونة على التخلص من القواعد القديمة والأنماط الجامدة والتمكين من الحركة والمرونة، والمعاونة كذلك على التوحيد والتكامل والاندماج بين أجزاء العمل لتكوين عمليات مترابطة ذات معنى, إضافة إلى المعاونة في تخيل حلول جديدة لمشاكل لم تحدث بعد. ( )
وحاولت العديد من الجامعات والمدارس الاستفادة من مدخل إعادة الهندسة بإعادة التفكير في عملياتها لتحسين أداء هذه العمليات؛ فنجد جامعة ""دى بول""De Paul University في شيكاغو تعيد التفكير في عملياتها الإدارية كي تركز على عميلها الرئيسي (الطالب)، ويعتمد ذلك على وضع نظام للعقود والاستجابات بالحاسب يوفر منظورا طويل الأمد عن خلفية الطالب كما يدعم هذا النظام مجموعة متكاملة من العمليات الإدارية (كالتسجيل، وتقديم العون للطلاب، والتوظيف بعد التخرج، والعلاقات بين الجامعة وخريجيها السابقين، بالإضافة إلى عمليات جمع الأموال)، كما يدعم هذا النظام رسالة الجامعة والمتعلقة بالتعلم مدى الحياة ( ).
وفى مدرسة ""مورتاون"" Moortown بالمملكة المتحدة تم إعادة التفكير في جدوى حضور التلاميذ خمس أيام لمدة عشر سنوات إلى المدرسة ، وتم بحث إمكانية أن تصبح المكتبة مركزا للمعلومات، وتوصيل جزء من الدروس إلى المنزل، ومدى الحاجة إلى فصول تختلف في هيئتها عن الشكل التقليدي المتعارف عليه. أما مدرسة ""هاى كريست تكنولوجي"" High Christie Technology College فعملت على زيادة مشاركة التلميذ في المنهج بطرح برنامجا اختياريا عبارة عن مقررات في موضوع معين قد يرغب التلاميذ في تعلمه، وقامت بتدريسه في مجموعات صغيرة غير معتمدة على العمر، ويتعهدهم أحد أعضاء المدرسة بالنصح والإرشاد, وتطلب ذلك انهيار الجدول المدرسي التقليدي ( ).
وشهدت مصر محاولات لإحداث التغيير في مدارسها بصفة عامة، والمدرسة الثانوية العامة بصفة خاصة، وتمثل ذلك في نشر الأجهزة والمعدات الخاصة بقاعات الوسائط المتعددة ومناهل المعرفة والعلوم المطورة، واستقبال بث القنوات الفضائية التعليمية، بالإضافة إلى تدريب الأخصائيين والمدرسين والموجهين والمديرين على استخدام تلك الأجهزة( ).
وأستوجب التغيير الذي طرأ على المدرسة الثانوية العامة في مصر إحداث تغيير في إدارة تلك المتغيرات، وأخذ هذا التغيير الإداري أشكالا متعددة منها: توسيع ديمقراطية الحوار، والتأكيد على أهمية مشاركة كافة العاملين في إبداء الرأي إلى جانب مشاركة أولياء الأمور والطلاب، بالإضافة إلى تقوية قنوات الاتصال بين المدرسة وبين المستويات الإدارية الأعلى في صورة اتصال ذو اتجاهين صاعد وهابط، كما تم توفير الاتصال الشبكي بين المدارس وبعضها، كما ظهر الاهتمام بالميكنة الإدارية للمدارس حيث تمت الاستعانة بالكمبيوتر في التوثيق، وفى عمل قواعد بيانات لكافة العاملين بالمدرسة"
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة