دراسة اجتماعية على بعض عمال الصناعة فى إقليم القاهرة الكبرى سياسات التخصيصية وآثارها على عمال الصناعة فى المجتمع المصرى
عاطـف أميـن محمـد ابراهيم عين شمس الآداب علم الاجتماع دكتوراه 2007
"ملخص
أولا: موضوع الدراسة وأهميته ومبررات اختياره
أ- موضوع الدراسة
شهد المجتمع المصرى منذ عام 1974 أزمة اقتصادية حادة تجلت أهم مظاهرها فى وجود اختلالات هيكلية ترتب على تفاقمها خلال ثمانينات القرن العشرين مجموعة من الآثار السلبية انعكست بدورها على أداء الاقتصاد المصرى وأدت إلى انحرافه عن مساره الصحيح، وتفاقمت تبعاً لذلك بعض المشكلات الاقتصادية مثل: مشكلات البطالة والتضخم والمديونية والعجز فى ميزان المدفوعات، ترتب على ذلك انخفاض مستوى المعيشة، وكذلك انخفضت الاستثمارات الموجهة للقطاعات السلعية وبخاصة للقطاع الصناعى الذى شهد مشكلات عديدة كأزمات السيولة، والطاقات العاطلة، والسحب على المكشوف بسبب ضعف إنتاجيته، وبالتالى انخفضت معدلات النمو فى كثير من وحداته، مما جعل كثيراً من شركات القطاع العام تعانى إختلالات مالية أدت بدورها إلى بروز ظاهرة الشركات المتعثرة فى الاقتصاد المصرى.
وإزاء هذا الوضع المتأزم شرعت الحكومة المصرية فى تطبيق برنامج للإصلاح الاقتصادى والتخصيصية بهدف الخروج من هذه الأزمة والتخلص من شركات القطاع العام الصناعية المتعثرة. ولقد بدأت إجراءات تنفيذ برنامج التخصيصية فى مصر بصدور القانون 203 لسنة1991 قانون شركات قطاع الأعمال العام.
ويحاول الباحث تقديم تحليل اجتماعى لأهم انعكاسات سياسات التخصيصية على بعض عمال الصناعة فى إقليم القاهرة الكبرى من خلال إجراء دراسة ميدانية تطبق على عينة من العاملين فى بعض الشركات التى تم تخصيصها بهدف التعرف على آثار هذه السياسة عليهم.
ب- أهمية موضوع الدراسة ومبررات اختياره
- محاولة إثراء المعرفة السوسيولوجية بقضية التخصيصية من خلال تقديم تأصيل نظرى لها.
- قلة الدراسات السوسيولوجية ذات الطابع الأكاديمى والميدانى التى تناولت قضية التخصيصية وآثارها فى إقليم القاهرة الكبرى. مما يتطلب ضرورة إخضاع هذه القضية لدراسات متعمقة من منظور سوسيولوجى ذلك لما لهذه القضية من أبعاد اجتماعية واقتصادية هامة تؤثر على الواقع الاجتماعى والاقتصادى لشريحة هامة فى المجتمع المصرى وهم عمال الصناعة وأسرهم.
- ركز الباحث على عمال قطاع الصناعة باعتباره من أهم قطاعات الاقتصاد القومى التى تأثرت بتطبيق التخصيصية، ولأن هذا القطاع يضم شريحة كبيرة وهامة فى المجتمع المصـرى وهم العاملون وأسرهم، ودراسة آثار التخصيصية على عمال هذا القطاع يجعل للدراسة أهمية خاصة، وخاصة أن هذه الفئة (عمال الصناعة) ترتبط ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بعملية الإنتاج والتى هى أساس التنمية فى كثير من المجتمعات.
ثانياً: أهداف الدراسة وتساؤلاتها
تهدف الدراسة الحالية إلى ""تقديم تحليل اجتماعى لأهم الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للتخصيصية وانعكاساتها على بعض عمال الصناعة فى الشركات التى خضعت للتخصيصية فى مصر وخاصة بإقليم القاهرة الكبرى"". ويتفرع من هذا الهدف الرئيسى أهداف فرعية يمكن صياغتها فى تساؤل رئيسى مفاده:
* ما أهم الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للتخصيصية على بعض عمال الصناعة فى الشركات التى خضعت للتخصيصية بإقليم القاهرة الكبرى؟
ويشتق من هذا التساؤل الرئيسى التساؤلات الفرعية التالية:
1- ما طبيعة الآثار الاجتماعية الناجمة عن تطبيق سياسات التخصيصية من حيث:
* مشكلة العمالة الزائدة فى المشروعات التى تم تخصيصها فى مصر.
* تغير علاقات وقيم العمل.
* سوق العمل والتشغيل المصرى وانعكاسات ذلك الاجتماعية وبخاصة على عمال الصناعة.
* الوضع الطبقى للطبقة العاملة (وبخاصة عمال الصناعة) فى مصر.
* خصخصة مؤسسات الخدمات الاجتماعية وانعكاساتها على الأوضاع الأسرية والمعيشية لعمال الصناعة فى مصر
2- ما أهم انعكاسات سياسات التخصيصية على طبيعة الدور الاقتصادى والاجتماعى للقطاع الصناعى (العام والخاص) فى مصر ؟
3- ما طبيعة الآثار السياسية لسياسات التخصيصية فى مصر من حيث تغير الدور الاقتصادى للدولة وانعكاسات ذلك الاجتماعية؟
4- ما أهم السياسات الاجتماعية المتبعة للتخفيف من الآثار السلبية للتخصيصية فى مصر من حيث:
أ- دور الدولة من خلال الصندوق الاجتماعى للتنمية
ب- دور مؤسسات المجتمع المدنى وبخاصة الجمعيات الأهلية.
ثالثاً: الإجراءات المنهجية للدراسة
تُعد هذه الدراسة من الدراسات الوصفية التحليلية ويتطلب تحقيق أهدافها والإجابة عن تساؤلاتها الإستعانة بالأساليب والأدوات البحثية الآتية:
1- أساليب الدراسـة
- الأسلوب الوصفى وهو يفيد فى تقديم صورة وصفية تحليلية لقضية التخصيصية وأبعادها المختلفة بشكل يسهم فى الكشف عن آثارها على عمال الصناعة. ويعتمد هذا الأسلوب على استخدام أداة المسح الاجتماعى بالعينة كأداة تفيد فى جمع وتحليل البيانات الاجتماعية من خلال مقابلات يجريها الباحث بهدف التعرف على آراء عينة من عمال الصناعة حول قضية التخصيصية وانعكاساتها عليهم.
- الأسلوب المقارن وهو يفيد فى المقارنة بين فترات التحول الاقتصادى والاجتماعى فى مصر قبل بدء تطبيق التخصيصية وبعدها. وكذلك المقارنة بين آراء أفراد عينة الدراسة حول القضايا التى تتضمنها استمارة الاستبيان، ودليل المقابلة المتعمقة.
2- الأدوات المنهجية المستخدمة فى الدراسة
- إستمارة الاستبيان والتى يجيب عنها أفراد عينة الدراسة من عمال الصناعة الذين تأثروا بتطبيق التخصيصية وذلك بهدف التعرف على أثار هذه السياسات عليهم.
- دليل المقابلة المتعمقة والذى يجيب عنه عينة من بعض المسئولين عن السياسات الاقتصادية والتخصيصية وتفعيلها فى مصر بهدف التعرف على آثار هذه السياسات على بعض عمال الصناعة فى مصر.
3- المجال المكانى والبشرى للدراسة
المجال المكانى: ويتمثل فى بعض الشركات العامة التى تم تخصيصها بإقليم القاهرة الكبرى بجمهورية مصر العربية، وهذه الشركات هى:
- الشركة المصرية للأغذية (بسكو مصر) - شركة مطاحن ومخابز شمال القاهرة
- شركة الدلتا الصناعيــــة (إيديال) - شركة الكابلات الكهربائية المصرية
- شركة الورق للشرق الأوسط ( سيمو) - شركة الطوب الرملى (فرع الهرم)
- شركة مطاحن ومخابز جنوب القاهرة والجيزة
المجال البشرى: تمثل مجتمع البحث فى:
أ- عينة من عمال الصناعة الدائمين الذين تم تسريحهم (معاش مبكر)، وبعض العاملين المستمرين بالشركة بعد التخصيصية وذلك لتطبيق استمارة الاستبيان عليهم.
ب- بعض المسئولين عن تطبيق هذه السياسات وتفعيلها فى مصر لتطبيق دليل المقابلة عليهم.
4- عينة الدراسة (حجمها وأسلوب اختيارها)
اعتمد الباحث فى دراسته الميدانية على تطبيق أداة الاستبيان على (250) حالة تم اختيارها بطريقة عمدية بواقع: (125) من العمال المسرحين، و(125) من المستمرين.
بالإضافة إلى ذلك اختار الباحث عدد (11) حالة من المسئولين عن وضع وتفعيل السياسات الاقتصادية والتخصيصية فى مصر لعمل مقابلات متعمقة مفتوحة معهم.
رابعاً: أهم النتائج التى توصلت إليها الدراسة
- أدت التخصيصية وما ترتب عليها من تسريح بعض العمالة إلى تدهور الأوضاع المادية والاجتماعية لأغلب المسرحين حيث تم إنفاق جزء كبير من قيمة التعويضات التى حصلوا عليها بطريقة ترفية واستهلاكية، ومع قلة المعاش الشهرى الذى حصلوا عليه ازدادت أحوالهم تدهوراً وخاصة بعد أن انقطعت رواتبهم مصدر معيشتهم بعد تسريحهم. .
- ترتب على تسريح العمالة تعرضهم لمشكلات اجتماعية أدت إلى عدم الاستقرار الأسرى نتيجة لصعوبة الإنفاق على متطلباتهم المعيشية، ترتب على ذلك تزايد حالات العنف الأسرى بين أفراد المسرحين.
- ترتب على تسريح العمالة زيادة فى عبء العمل على العمال المستمرين ولم يقابل ذلك فى الغالب زيادة فى الأجر، مما سبب لهم قلقاً وتوتراً وإحباطاً.
- ازدادت ضغوط أصحاب العمل لتقليص الامتيازات المادية والعينية التى كانت ممنوحة للعاملين قبل التخصيصية، مما أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادى والاجتماعى لكثير منهم.
- ترتب على التخصيصية ضغوط نفسية تعرض لها المستمرون خوفاً من احتمالات تسريحهم، مما قلل من إحساسهم بالأمان الوظيفى والاستقرار الأسرى، وبالتالى ساءت العلاقة بين العمال وصاحب العمل أو إدارة الشركة.
- أدت التخصيصية إلى ضعف علاقات التعاون والترابط بين العاملين حيث سادت قيم التقرب والرياء من جانب البعض تجاه صاحب العمل أو الإدارة ولو على حساب زملائهم خشية الاستغناء عنهم حتى أصبح العامل لا يفكر إلا فى مصلحته فقط دون النظر لمراعاة الآخرين، كما ازدادت المؤامرات الخفية والصراعات بين العاملين.
- أدت سياسة التسريح عند التخصيصية إلى جعل العمال الباقين يشعرون بالخضوع والاستسلام تجاه رب العمل خوفاً من تعرضهم للتسريح.
- أسهمت التخصيصية فى تدعيم قيم المحافظة على وقت العمل من جانب العمال بشكل يفوق أيام القطاع العام، مما يعنى أن الإدارة فى ظل التخصيصية تعد أكثر حزماً وقوة من أيام القطاع العام، الأمر الذى زاد من إنتاجية العامل خوفاً من تعرضه للجزاء أو للتسريح.
- أدت التخصيصية إلى تقليص القيم السلبية المتعلقة بالتكاسل والتواكل والمحسوبية التى كانت سائدة أيام القطاع العام. مما يعنى أنه فى ظل التخصيصية زاد الضبط والرقابة من جانب الإدارة الجديدة للشركة.
- أدت التخصيصية إلى تهميش دور النقابات وممثلى العمال فى مجالس إدارات الشركات فى حل مشكلات العمال، مما يضعف من قوة العمال فى المطالبة بحقوقهم.
- تفاقمت مشكلة البطالة فى مصر بعد تطبيق التخصيصية لما ترتب عليها من تسريح أعداد هائلة من العمالة. وترتب على ذلك مشكلات اجتماعية مثل: ازدياد حالات الطلاق والزواج العرفى وتزايد حالات العنف الأسرى، وسيادة حالة من السخط وعدم الرضا بين العاطلين لافتقادهم الأمن الاقتصادى، مما زاد من إحساسهم بعدم الأمان النفسى.
- كان لبرامج التكيف الهيكلى والتخصيصية دور كبير فى زيادة التفاوت الطبقى فى المجتمع المصرى حيث أصبح توزيع الدخل يميل لصالح الطبقات القادرة على حساب الطبقـات الفقيرة حيث أسهمت التخصيصية فى إعادة توزيع الثروة والدخل لصالح الملاك على حساب العمال محدودى الدخل.
- فى ظل التخصيصية قلت فرص التدريب والترقى التى قدمتها الشركات للعاملين توفيراً للنفقات على عكس أيام القطاع العام التى قدمت خلالها الشركات فرصاً أكثر.
- لعبت التخصيصية دوراً كبيراً فى تقليص الدور الاقتصادى والاجتماعى للدولة.
- أوضحت الدراسة محدودية الدور الذى اضطلعت به شبكات الأمان الاجتماعى فى مصر سواء الرسمية (كالصندوق الاجتماعى وغيره) أو غير الرسمية (كالجمعيات الأهلية) فى مساعدة الفئات المتضررة من تطبيق التخصيصية على تحمل الآثار السلبية لهذه السياسة."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة