التغير الثقافى وأثره على بعض الممارسات الترويحية فى المجتمع المصرى

رنا حسني أمين عثمان دكتوراه 2008 220

"شهد المجتمع المصري في الربع الأخير من القرن العشرين العديد من التغيـرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي انعكس بدوره على النظم المجتمعيـة بصفة عامــة وعلى الترويح بصفة خاصة ولقد تشابكت نتائج هذه التغيرات مع بعضها البعض بحيث أصبح من الصعب تحديد علاقات السببية والنتيجة فيما بينها، إلا انه من الضروري فصل هذه التغيرات و محاولة تحليلها وتفسير أسبابها مما يساعد على تفسير النتائج.

والثقافة هى مجموعة من المعطيات الفكرية والعاطفية والمادية، وتتميز بسمة رئيسية من حيث قوتها ومرونتها حسب الحالات المختلفة، والثقافة متعلمة لان ما هو ثقافي لا يورث بيولوجيا وانما عن طريق الاستيعاب الذى يجعل الثقافة ارث اجتماعي او أنها ما يتعلمه الفرد ليعيش فى مجتمعه وبذلك تدخل الثقافة فى التنشئة الاجتماعية، والمشاركة هى خاصية تدل على ان المعيار الاساسى للظواهر الثقافية هو اشتراك الفرد كعضو فى المجتمع مع مجموعة من الناس فى المواقف المختلفة.

وتعتبر الثقافات نتاج المجتمعات البشرية، فهناك علاقة وثيقة بين الثقافة والمجتمع فكلاهما يتقابلان معا مثل وجهي العملة الواحدة، حيث انه إذا لم يكن هناك أفراد أو مجتمعات فلايمكن ان توجد ثقافـات وبالمثل إذا لم يكن هناك ثقافــات فلن يكون هناك مجتمعــات، والثقافة ضرورة ملحة لكل فرد في المجتمع حيث أن لها دور هام في تكوين الفرد وتشكيله وعلى الفرد أن يقوم من جانبه بدور هام في المحافظة على الثقافــة وعلى تنميتها وتجديدها.

كما ان الثقافة هى طريقة المجتمع وأسلوبه في الحياة، والمجتمع هو الحياة بذاتها وحقيقة جوهرية في حياة الأفراد، من غيره لايستطيع الفرد بذاته أن يستمر في الحيـاة، فهو الذي يجعل الحياة الاجتماعية ممكنة، ولا يتوقف وجود الفرد على وجود المجتمع فحسب، بل إن الثقافة نفسها لم تكن لتنبثق وتعمق جذورها دون وجود المجتمـع، لذلك نجد أن لكل مجتمـع ثقافتـه التي تحدد أهدافه إذ لا يوجد مجتمـع انسانى بدون ثقافـة، ولا ثقافـة بدون مجتمـع.

والثقافة دائمة التغير، وتغيرها قد يكون بطيئا أو قد يكون سريعا، كما ان المجتمعات فى تغير مستمر ولكن سرعة التغير الاجتماعي والثقافي ونطاقــه واتجاهه تختلف من مجتمع الى آخر، والتغير الثقافي يعنى التغير فى العناصر الثقافية المادية واللامادية ويحدث عن طريق الاختراع أو الاستعارة أو الاقتباس من ثقافات أخرى نتيجة الاتصال بين الثقافات.

لذلك نجد انه عندما تتغير الثقافة يتغير المجتمع لان الثقافة من صنع الإنسان ولهذا يعتبر التغير الثقافي عمليـة تغير انسانى ينميهـا الفكـر الخلاق والاختراع  وليس معنى ذلك ان الثقافة من صنع فرد او جيل معين لان من أهم خصائصها التراكم والدوام والانتشار وكل ثقافة مهما كان طابعهـا تخضع لعمليــات التغير، وقد ينبع التغير الثقافي من داخل المجتمع عن طريق الاختراع والاكتشاف وقد ياتى من الخارج عن طريق انتشار السمات الثقافية الجديدة من ثقافات أخرى قريبة او بعيدة.

كما ان التغير الثقافي يشمل كل التغيرات التى تحدث فى كل فرع من فروع الثقافة بما فى ذلك الفن والعلم والتكنولوجي والفلسفة بالإضافة الى التغيرات التي تحدث فى صور وقواعد التنظيم الاجتماعي.

ويستقبل الناس عادة التغير بشئ من الحيطة والحذر، كما انهم يتقبلون التغير المادى باسرع مما يتقبلون التغير اللامادى، فالتغير المادى يؤدى الى تغيرات قد تكون ملموسة الفائدة بالنسبة لهم، اما التغير اللامادى فهو يعنى تخليهم عن عادات وتقاليد غرست فيهم منذ الولادة واقناع الناس بالتغيرات اللامادية مسألة فى غاية الصعوبة.

لذلك نجد انفصالا دائما بين التقدم التكنولوجي والتغير فى القيم والسبب الرئيسى فى ذلك يرجع إلى أن التكنولوجيا تتغير بالإضافة اما القيم فتتغير بالإحلال اى بالتخلص من الاتجاهات والعادات والمثل القديمة وإحلال الاتجاهات والعادات والمثل الجديدة محلها.

كما ان التحول الى العولمة يعد من أهم عوامل التغير الثقافي فى عصرنا الحالـي والعولمة تتعدد جوانبها وأبعادها وهى تتضمن أبعاد اقتصادية وسياسية وإعلامية وثقافية واجتماعية، لذلك نجد ان العولمة لها اثر كبير فى عملية التغير الثقافى للمجتمعات وان كثير من التغيرات الثقافية التى تحدث فى الثقافات الحالية لبعض الشعوب والمجتمعات ترجع اليها.

ولقد طرأ على المجتمع المصري العديد من التغيرات طوال الفترة من1975حتى الآن، حيث شهدت تلك الفترة حدوث تغيرات جذرية على صعيد أنماط التفاعلات والعلاقات الدولية على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ومحليا اتسمت هذه الفترة بتغيرات اقتصادية وسياسية واجتماعية احدثت تغير فى بنيان المجتمع المصرى عقب حرب أكتوبر(1973)، لذلك فقد رأت الباحثة أن تقوم بدراسة تلك الفترة، نظرا لما حدث بها من تغيرات والتي كان لها آثارها المباشرة وغير المباشرة على الممارسات الترويحية.

والمتتبع للتغيرات المجتمعية التى مر بها المجتمع المصري خلال الربع الأخير من القرن العشرين، يجد العديد من التغيرات المتصارعة فى جوانب الحياة المختلفة منها مايتصل بالجانب السياسي، ومنها ما يتصل بالجانب الاقتصادي فضلا عما يتصل بالجانب الاجتماعي الأمرالذي انعكس بوضوح على المجتمع بشتى شرائحه وطبقاته ومؤسساته وأنشطته، كما يمكن رصد عدة إنعطافات استراتيجية غيرت مسار الحياة على كافة الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، الأمر الذي انعكس بدوره على ممارسة الأنشطة الترويحية، بالإضافة لتأثر وتفاعل المجتمع المصري مع مسارات وتوجهات وسياسات هذا المجتمع الدولي بصراعاته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتي كان لكل منها تداعياتها وتأثيراتها الواضحة على الأوضاع المجتمعية المصرية، الأمر الذي كان له أكبر الأثر على ممارسة الأنشطة الترويحية.   

والترويح يشكل اكبر التأثيرات فاعلية لإيجاد حلول لمعظم المشاكل الاجتماعية حيث انه يساعد على شغل وقت الفراغ مع تنمية وتدعيم النسق القيمى بالمجتمعات وهذا فى مجمله يقابل المشاكل الاجتماعية التى أفرزتها ظروف المجتمع المصري خلال الربع الأخير من القرن العشرين، حيث أصبح الترويح جزء عضوي من المنظومة الشاملة لاى مجتمع، فهو جزء متكامل من مجموع النظم الاجتماعية حيث يعد نظاما ضابطا من خلال إرساء مجموعــة من المعارف وقواعـد وأنماط من القيم والسلوك تتوافق مع النموذج العام المقبول من المجتمع.

ولما كانت فلسفة اى نظـام اجتماعي هى ضبط الأهداف الفرديــة والتحكم فيهــا وإخضاعها للصالح العام، فلقد أصبحت أهداف الترويح لدى المجتمع تتمثل فى كونه إستثمار ايجابي لوقت الفراغ او الإنتـاج، ورفع مستوى الصحة العامــة لتخفيض الإنفاق العلاجي وتقوية الروح القومية لتحقيق الانتماء بين الأفراد ونشر القيم الاجتماعية المثلي.

لذلك تمت ترجمة هذا الهدف من خلال اتجاه الدولة الى إنشاء مؤسسات الأنشطة الترويحية لنشر وتطوير الأنشطة الترويحيـة لمقابلـة احتياجات قطاعات الشعب المختلفــة وبصفة خاصة النشء والشباب وذلك بعد انتهاج الدولة لسياسة الانفتاح الاقتصادي والهجرة بآثارها السلبية، فضلا عن البطالة وما خلقتــه من وقت فراغ أدى بدوره الى الخواء الديني والفكري والقيمى، حيث ان فرص التفاعل الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية المتاحة للأفراد عبر ممارسة الأنشطة الترويحية تساعد بشكل فعال على اكتساب المعايير والقيم الاجتماعية المرغوبة باعتبار ان الترويح وسط مرب سليم، فضلا عما يثيره لدى الفرد من ميل للسمو من خلال توجيه نزعاته الى أنشطة مقبولة اجتماعيا.

والأنشطة الترويحية فى أوقات الفراغ مقترنة بالثقافة وتعتبر جزء جوهري وضروري للحياة، وحديثا استخدمت المجتمعات العديد من الامكانات مثل ميادين اللعب والصالات المغطاة وحمامات السباحة وذلك لوجوب ان تكون الأنشطة الترويحية جزء من حياة الأفراد فى المجتمع.

كما يرتبط دور الترويح بدرجة كبيرة بوقت الفراغ المتزايد و لهذا فقد أصبح الترويـح طريقة للحياة للعديد من الناس، و لكل أشكال النشاط الترويحي دور كبير فى التكوين الاجتماعي والثقافي، فهي تعيننا على تغيير روتين العمل وتكفل رفاهيتنا وتغمرنا بالانتعاش والسعادة وترشدنا الى طرق الاتصال الاجتماعية التي تؤدى الى الاسترخاء والمرح وتمدنا بطرق التنمية الايجابية للأجهزة الإنسانية لمجابهة الضغوط الناتجة عن الحياة الحديثة.

وترى الباحثة ان الثقافة والترويح عاملان يساهمان فى تكوين الشخصية المتكاملة التى تلائم طبيعة الحياة وتقدر على التكيف فى مجتمعنا الحالي، وان الترويح نظام اجتماعي يعكس كثير من الأبعاد الاجتماعية الموجودة في الحياة، والوظيفة الاجتماعية للترويح تركزعلى القيم الاجتماعية والمعتقدات والايدولوجيات التى يمكن ان يعبر عنهــا حيث انه محصلـة لقيم المجتمــع ومعاييره.

والأنشطة الترويحيـة تتضمن كل الجماعــات وكل الأعمار، والترويح له تأثير على المجتمع ويتأثر بالسياسة والبناء الاجتماعـي والاقتصادي والدين والحياة العسكرية والتعليمية والتكنولوجيا والموسيقى والفن والعلــوم والآداب، كما ان الترويح أصبح ظاهرة عالمية واسعة الانتشار وله صوره فى العديد من البلاد، ولذلك يعتبر الترويح نتاج ثقافي لاى مجتمع."


انشء في: أربعاء 7 نوفمبر 2012 07:03
Category:
مشاركة عبر