مظاهر استقلال وتوازن السلطات في النظم الفدرالية دراسة مقارنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية ألمانيا الاتحادية ودولة الإمارات العربية المتحدة
رمضان محمد السيد بطيخ عين شمس الحقوق القانون العام دكتوراه 2008
ملخص الدراسة:
النتائج:
1- تبين من خلال الدراسة أن الفقه يذهب في معظمه للقول بأن النظام السياسي للولايات المتحدة الأمريكية يأخذ بمبدأ الفصل المطلق بين السلطات، وأن ذلك يرجع إلى إيمان واضعي الدستور الأمريكي بالتفسير الخاطئ لمبدأ الفصل بين السلطات ولقد كانت الحجج التي استند إليها الفقهاء لتعزيز رأيهم في هذا المجال هي عدم وجود دور للسلطات الأمريكية (السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية) في تكوين بعضها البعض، واستقلال كل سلطة بمباشرة الوظيفة المنوط بها دستورياً، وعدم خضوعها في مباشرتها لهذه الوظيفة لرقابة أو تدخل السلطة الأخرى في الدولة.
بيد أنه اتضح من خلال الدراسة وتحليل نصوص الدستور الأمريكي وأسسه الفلسفية وأفكار واضعيه، إضافة إلى أراء الفقهاء الأمريكيين ونصوص التشريعات الاتحادية وتفحص الواقع السياسي الفعلي في الولايات المتحدة من خلال التطبيقات العملية لنصوص الدستور خطأ هذا الاعتقاد، حيث تبين وجود أوجه للتعاون والرقابة بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية تفوق المظاهر التي تدعم استقلال هذه السلطات، فالسلطة التنفيذية تلعب دوراً مهماً في تكوين السلطة التشريعية، إذ أدى تطور الحياة السياسية ونشوء النظام الحزبي في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن أصبح اختيار أعضاء السلطة التشريعية يتوقف بدرجة كبيرة على موافقة أعضاء السلطة التنفيذية.
وفي المقابل فإن للسلطة التشريعية دوراً في تكوين السلطة التنفيذية وذلك من خلال قيام مجلس النواب بانتخاب رئيس الجمهورية وقيام مجلس الشيوخ بانتخاب نائب الرئيس في حالة عدم حصول أي مرشح على الأغلبية المطلوبة لأصوات الهيئة الانتخابية.
بالإضافة إلى ذلك تقوم السلطة التنفيذية بممارسة بعض الاختصاصات الداخلة في نطاق السلطة التشريعية، كما أن لهذه السلطة الأخيرة الحق في ممارسة بعض الاختصاصات الداخلة في نطاق السلطة التنفيذية مما يعني في النهاية أن هناك داخلاً في الاختصاصات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي خطأ القول باستقلال كل سلطة بوظيفتها الدستورية.
هذا بالإضافة إلى أن السلطة التنفيذية تستطيع أن تغل يدِ السلطة التشريعية عن طريق الاعتراض الدائم من الرئيس على مشروعات القوانين الصادرة عنها، كما وأن لها التدخل في سير العمل البرلماني وذلك عن طريق قيام الرئيس بدعوة الكونجرس أو أحد مجلسيه لعقد دورة خاصة أو فض الدورة البرلمانية في بعض الحالات الخاصة.
وفي المقابل فإن السلطة التشريعية تمارس سلطة رقابية ذات أثر فعال على السلطة التنفيذية عن طريق سلطة التحقيق والمراقبة التي أعطيت للجان الكونجرس البرلمانية، وأيضاً فإن السلطة التشريعية تقوم بمحاكمة أعضاء السلطة التنفيذية في حالة ارتكابهم لجرائم معينة نص عليها الدستور.
ونتيجة لهذه العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وجد أن هناك فارقاً كبيراً بين هذه العلاقة من الناحية النظرية والمتمثلة في نصوص الدستور وبين ما آلت إليه هذه العلاقة في مجال التطبيق العملي والتي اتخذت شكلاً مغايراً للشكل المنصوص عليه في الدستور مما انعكس بالقطع على حقيقة النظام الرئاسي في حد ذاته.
2- إن العلاقة بين السلطات في النظام البرلماني تأخذ بفكرة الفصل النسبي أو المرن دعامة أساسية تأسس عليها هذا النظام؛ إضافة إلى الطبيعة الخاصة للسلطة التنفيذية والتي تتمثل في رئيس الدولة والوزارة، فرئيس الدولة طبقاً للمفهوم التقليدي لهذا النظام يلعب دور الحكم بين مؤسسات الحكم؛ مما يعطيه حق ممارسة الدور الشرفي والأدبي فقط مع إفساح المجال للوزارة لممارسة كافة مقاليد الحكم باعتبارها حجر الزاوية والسمة المميزة للنظم البرلمانية. وعندما تناولنا النظام السياسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية اتضح اعتناق ذلك النظام لفكرة التوازن والرقابة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، تلك الفكرة التي تعطي للسلطة التنفيذية حق حل مجلس النواب (البوندستاج) كما تعطي للسلطة التشريعية حق المسئولية السياسية في مجال علاقاتها بالسلطة التنفيذية، فإذا كانت فكرة التوازن والرقابة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية تعتبر أهم مقومات النظام البرلماني، فقد أدى التنظيم الحزبي في ألمانيا وما صاحبه من ضرورة تأليف الوزارة من بين أعضاء الحزب الفائز في الانتخابات البرلمانية إلى رجحان كفة السلطة التنفيذية في ميزان التقدير مع السلطة التشريعية، كما أدى أيضاً إلى اختلال العلاقة المتوازنة بين هاتين السلطتين مما ساهم بشكل كبير في انتـفاء المسئولية السياسية للوزارة إلى جانب استخدامها لحق الحل، ليس كحق رقابي تفرضه طبيعة النظام بل كوسيلة ضغط تمارسها الوزارة بإطلاق شديد تجاه البرلمان نتيجة سيطرتها على الأغلبية البرلمانية داخل المجلس النيابي.
3- تبين من خلال دراسة موضوع مظاهر استقلال وتوازن السلطات في النظم الفدرالية، إن التعاون والرقابة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، ليست حكراً على نظام حكم بعينه، فالتعاون والرقابة بين السلطتين وإن كان يبدو وبشكل واضح في النظام البرلماني - كما هو الحال بالنسبة للنظام الألماني- إلا أن هذا لا يعني عدم وجود أية مظاهر لمثل هذا التعاون والرقابة في النظام الرئاسي، الذي يصفه الفقه عادة على أنه نظير النظام البرلماني، فالمتتبع بدقة لطبيعة سير المؤسسات الدستورية في نظام الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية (مهد النظام الرئاسي) يلاحظ وجود العديد من مظاهر التعاون والرقابة المتبادلة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وهذه المظاهر وإن كانت تختلف عن الوسائل المقررة في دساتير النظم البرلمانية إلا أن لها ذاتيتها الخاصة التي تمكنها من تحقيق التعاون والرقابة المتبادلة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وينطبق هذا القول أيضًا على دولة الإمارات العربية المتحدة والتي تأخذ بنظام المزج بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي، حيث إن هذا النظام يجمع بين ثناياه بعضاً من مظاهر النظام البرلماني وبعضاً من مظاهر النظام الرئاسي، بمعنى أن هذا النظام يأخذ من الأنظمة البرلمانية ما يتلاءم مع الظروف والأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدولة، كما يأخذ من الأنظمة الرئاسية ما تعجز الأنظمة البرلمانية عن تحقيقه ويكون أكثر ملاءمة مع هذه الظروف، وبالتالي يلاحظ وجود العديد من مظاهر التعاون والرقابة المتبادلة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في دولة الإمارات.
4- كما تبين أيضًا أن مظاهر التعاون والرقابة المتبادلة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية لا تقتضي أن تقف كل من هاتين السلطتين أمام الأخرى موقف الخصومة، إذ أن الهدف من تقرير هذه الرقابة هو عدم تجاوز أي من السلطتين للوظيفة التي أسندها الدستور إلى وظيفة سلطة أخرى، وعدم طغيان إحدى السلطتين على الأخرى، ومن أجل هذا وجدنا أن للسلطة التشريعية حقوقاً معينة تمارسها في مواجهة الحكومة، وتحقق باستعمالةا رقابتها الفعالة على أعمال السلطة التنفيذية، وفي مقابل هذه الحقوق جعل الدستور للسلطة التنفيذية أيضًا وسائل التي تستطيع بواسطتها أن تؤثر في عمل البرلمان وفي وجوده أحياناً، والتي يتحقق بها إيجاد التوازن بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، إذ لا يصح أن يكون للسلطة التشريعية صاحبة حق في السيطرة على السلطة التنفيذية دون أن يكون لهذه الأخيرة وسائل معادلة للدفاع عن نفسها.
5- اتضح من خلال الدراسة أن المجلس الوطني الاتحادي في دولة الإمارات العربية المتحدة لا يمارس سلطة تشريعية حقيقية، حيث لا يملك أعضاء المجلس الوطني الاتحادي حق اقتراح التشريعات، فاقتراح هذه التشريعات مسندة إلى السلطة التنفيذية والمتمثلة في (المجلس الأعلى للاتحاد، رئيس الاتحاد، مجلس الوزراء).
كما أنه عندما تعرض مشروعات القوانين على المجلس الوطني الاتحادي، فإن هذا العرض يقصد به إبداء رأي المجلس دون أن يستدعي ذلك قيام المجلس بإعاقة إصدار القانون أو إجراء بعض التعديلات عليه، ففي حالة قيام المجلس بإجراء تعديل على هذه المشروعات، فللمجلس الأعلى أو رئيس الاتحاد إعادته للمجلس الوطني، فإذا أصر الأخير على رأيه جاز لرئيس الاتحاد إصدار القانون بعد تصديق المجلس الأعلى.
أما فيما يتعلق بالنشاط الرقابي للمجلس الوطني الاتحادي فقد تبين عدم فعاليته، حيث إن المسئولية الوزارية الفردية أو التضامنية لا تطرح أمام المجلس الوطني وقد انبنى على هذا الأمر أنه لم تعهد نصوص الدستور للمجلس الوطني حق استجواب أعضاء الحكومة أو إنشاء لجان تحقيق. وإذا كان للمجلس حق توجيه الأسئلة لأعضاء الحكومة (رئيس مجلس الوزراء أو نائبه أو الوزراء) فإن هذا الإجراء ليس أكثر من استفسار عن أمر يرغب العضو استيضاحه، أما سلطة مناقشة موضوع عام، فيلاحظ أن الذي يملك زمامها هو مجلس الوزراء لا المجلس الوطني، فلمجلس الوزراء الحق في منع المجلس الوطني الاتحادي من مباشرة هذا الاختصاص بمجرد إبلاغه بأن ""مناقشة ذلك الموضوع مخالفة لمصالح الاتحاد العليا"". ولا حدود لسلطة مجلس الوزراء في هذا الصدد.
وأخيراً يلاحظ أن المجلس الوطني الاتحادي قد حرم من إصدار لائحته الداخلية، فهو فقط يقوم باقتراحها.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة